انتهت بداية هذا الأسبوع، فعاليات المنتدى الاقتصادي العالمي، والذي عقد في منتجع «دافوس» بجبال الألب السويسرية، وبحضور لفيف من زعماء العالم، ورؤساء بعض من أكبر الشركات المتعددة الجنسيات، والمنظمات والهيئات الدولية. وتضمن جدول أعمال منتدى هذا العام، قضايا مختلفة ومتنوعة، بداية من فيضان المهاجرين الذي يجتاح حالياً العديد من الدول الأوروبية، ومروراً بالتغيرات المناخية وتبعاتها على الاقتصاد الدولي، ونهاية باستمرار -أو عدم استمرار- بريطانيا في عضويتها داخل الاتحاد الأوروبي، والتأثيرات المحتملة على باقي دول القارة العجوز. وكما هي العادة، احتلت القضايا الصحية الدولية، موقعاً مركزياً في الندوات والمحاضرات، وأهمية خاصة ضمن مناقشات ومحاورات الزعماء والرؤساء وأقطاب الصناعة والتجارة. ومرة أخرى، طفت على السطح قضية مقاومة البكتيريا للمضادات الحيوية، في ظل التوقعات بأن استمرار هذه الظاهرة سيتسبب في وفاة 10 ملايين شخص بحلول عام 2050، وسيكلف الاقتصاد العالمي 100 تريليون دولار في شكل فاقد اقتصادي. كما ستصبح العديد من الإجراءات الطبية الروتينية الشائعة، مثل الجراحات المختلفة، والعلاج الكيماوي لمرضى السرطان، وزراعة الأعضاء، وغيرها، اختيارات غير متاحة، بسبب احتمالات الوفاة من العدوى التي قد تنتج عنها. وجسد هذا الوضع، وتلك الأهمية، إعلانا مشتركا، وقعت عليه 80 من أكبر شركات تطوير وصناعة الأدوية والعقاقير الطبية في العالم، بما في ذلك «جلاكسو»، و«فايزر»، و«ميرك»، و«جونسون آند جونسون»، طالب حكومات الدول بتطوير واقتراح نموذج جديد، لمكافأة تلك الشركات، وحثها على تطوير مضادات حيوية جديدة، مقابل قيامها بزيادة الاستثمار في مجال الأبحاث، وخفضها لأسعار هذه الطائفة من العقاقير البالغة الأهمية، لتصبح أكثر توفراً لجميع الشعوب والمجتمعات. وبنت تلك الشركات، والتي تبلغ مبيعاتها السنوية عشرات –وربما مئات- المليارات من الدولارات، حجتها في ذلك الإعلان، على حقيقة أن القيمة السعرية للمضادات الحيوية حالياً، لا تعبر بشكل سليم عن الفوائد الجمة التي توفرها للمجتمعات البشرية. ولفهم هذه الحجة الاقتصادية، لابد أن نسترجع حقيقة هامة، وهي أنه منذ عقد الثمانينيات، أي منذ ثلاثة عقود، وبالتحديد منذ عام 1987، لم يتم اكتشاف طائفة جديدة من المضادات الحيوية، بل إن بعض الأنواع المستخدمة حالياً يعود اكتشافها لعقد الأربعينيات، أي فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية. أما البنسلين، أشهر المضادات الحيوية، فيعود اكتشافه إلى عام 1928، أي منذ قرابة القرن. وبخلاف الصعوبات العلمية المصاحبة لاكتشاف طائفة جديدة من المضادات الحيوية، يجب أن نعير هنا المزيد من الاهتمام للديناميكيات الاقتصادية التي تحكم تطوير واكتشاف المضادات الحيوية، وبالتحديد مدى ربحيتها داخل نظام اقتصادي، يجنح نحو المنتجات التي تخدم سوقاً كبيرة من المستهلكين، مما يحمل في طياته حجم مبيعات ضخما، ودون مخاطرة كبيرة في التطوير والأبحاث. بمعنى أنه من الطبيعي أن تميل شركات الأدوية والعقاقير الطبية، إلى الاستثمار في المنتجات التي لا تتطلب تكلفة هائلة للتطوير والاكتشاف، وتخدم عدداً كبيراً من المرضى، مما يضمن ربحية جيدة على الاستثمارات الأولية. وأفضل مثال على ذلك، هو الأدوية التي توجه لعلاج الأمراض المزمنة، مثل طائفة العقاقير المعروفة بال«ستاتين»، والموجهة لعلاج المرضى بارتفاع مستوى الكولسترول والدهون في الدم. إذ غالباً ما يتناول المرضى هذه العقاقير مدى الحياة، مما يعني أن الشخص يصبح زبوناً دائماً، وبشكل يومي، طوال حياته، على عكس المصاب بعدوى بكتيرية، حيث يتطلب علاجه أسبوعاً واحداً فقط في غالب الأحوال. كما أن ارتفاع مستوى الدهون في الدم غالباً ما يرتبط بالسمنة، وبداء السكري، وبقية طائفة الأمراض المعروفة بأمراض الأثرياء، ما يعني أن هذه النوعية من المرضى قادرون مالياً على دفع قيمة تلك الأدوية، والتي قد تبلغ مئات الدولارات، على عكس مرضى العدوى البكتيرية، والذين قد ينتمون للفئات الغنية أو الفقيرة من المجتمع. أضف إلى ذلك، أنه بعد فهم أسباب ارتفاع مستويات الدهون في الدم، وميكانيزمات عمل الأدوية والعقاقير التي تؤدي إلى خفضها، يصبح الاستثمار في اكتشاف نوع جديد، زهيداً نسبياً. كما أنه على عكس المضادات الحيوية، لا توجد في الموضوع هنا بكتيريا تؤدي الطفرات الجينية فيها إلى جعل العقاقير المستخدمة عديمة الجدوى والفعالية، مما قد يضيع على الشركة العائد من استثماراتها في الاكتشاف والتطوير الأولي. مثل هذه النقاط والاختلافات، تظهر أنه لا يمكن التعامل مع المضادات الحيوية، من خلال نفس النموذج الاقتصادي الاستثماري المطبق مع الأدوية والعقاقير الأخرى، لما للمضادات الحيوية من أهمية فائقة في منع انتشار العديد من الأمراض البكتيرية المعدية، وفي تجنب أن يفقد عشرات الملايين حياتهم جراء أمراض يعتقد الكثيرون خطأ أن الجنس البشري قد نجح في هزيمتها بشكل نهائي.