أزعم لنفسي معرفة الإخوان المسلمين جيداً، فقد قرأت أدبياتهم، وتتبعت مسيرة حركتهم وصداماتهم السياسية مع الأنظمة، كما حصل في سوريا مع نظام حافظ الأسد الانقلابي، وأعرف قياداتهم شخصياً في سوريا (مثل سعيد الحوى ومروان حديد) وبعضاً من المصريين (الملط، زينب الغزالي، عبد الحليم أبو شقة)، لذا أكتب عنهم بدراية ومعرفة، ومن هذه التجربة لهم وللحركات الإسلامية الأخرى وأهمها (حزب التحرير) والسلفية والمتصوفة، وحركات المشايخ (عبد الوهاب دبس وزيت سعيد البرهاني، صالح فرفور، وإمام جامع القطط الشيخ عبد الرزاق الحمي الذي تعلمت على يديه علم الحديث)، كما كان الحال مع الشيخ الرفاعي، رحمه الله، (مدرسة مسجد الرفاعي)، ومنهم أيضاً (كفتارو) و(البوطي) الذين آثروا الانضمام إلى وعاظ السلاطين، والدفاع عن الطغاة في وجه الشعوب، واعتماد أسلوب الفقه التقليدي أن الحاكم يطاع ولو ضرب ظهور الناس وأخذ أموالهم. ومن هذه التجربة الخصبة كتبت كتابي (النقد الذاتي، ضرورة النقد الذاتي للحركات الإسلامية)، حتى أن البعض ممن يقرأ مقالاتي، خاصة تلك التي نشرتها في موقع إيلاف، كان يهاجمني بضراوة. في القرآن آية جميلة في سورة الروم عن هذا التحول (الآية 54): (الله الذي خلقكم من ضعف، ثم جعل من بعد ضعف قوة، ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة. يخلق ما يشاء وهو العليم القدير) وممن كان حريصاً على مهاجمتي كانت رجل من منطقة القامشلي بشكل خاص، قد كرس نفسه للأذية، وهي متوقعة، (لايستبعد أن يكون من شبيحة الجيش الإلكتروني الأسدي)، من مدينتي التي ولدت فيها في الزاوية الشمالية الشرقية من سوريا، وقد تكون في المستقبل في بطن الدولة الكردية المستقبلية، فبعد كردستان العراق ستولد دولة كردية تمتد في أحشاء أربعة دول تجمع تركيا وإيران وسوريا والعراق، كما حصل مع انفطار دولة السودان إلى شمال وجنوب، وحالياً يتقاتل الجنوبيون بين بعضهم بعضاً بأكثر من قتال الشمال قبل التصدع والانفلاق الأعظم على عهد البشير المطلوب من محكمة العدل الدولية، وهذا يقول إن التمزق حين يبدأ فهو مثل الانشطار الذري لا يبقي ولا يذر، إلى حين ولادة الوعي الإنساني، الذي يجمع ولايفرق، كما في كندا، مقابل التشظي في يوغسلافيا، وربما ستلحقها سوريا ومنطقة الشرق الأوسط في فتات هائل، وتشظي لوح زجاج ضرب بحجر. منذ تعرفي على «الإخوان»، وفي اللحظات الأولى، أدركت أنهم لايملكون فكراً منهجياً استراتيجياً واضحاً، وهو أمر لا أظنه تغير في جوهره. يجتمع الشباب على حفظ بضع آيات من القرآن الكريم، وحديث نبوي، واستعراض فكري لبعض من مفكريهم النادرين، وربما قرأوا فيما ترك لهم الشيخ (حسن البنا)، وهولا يُشكل زاداً منهجياً، ورؤية استراتيجية، وهو معذور نوع ما، بسبب عدم نضجه، فالرجل كان شخصية تنظيمية، وخطيب مفوه، ولكنه ليس بذلك العمق الفكري، وفهم العالم، وأين وصلت الأمور؟ ولكم تمنيت لو أن نشاطه التحم مع فكر أخيه (جمال البنا)، فالأخير قطع أشواطاً مهمة للوصول إلى الفكر العالمي. ولقد كان لي شرف تقديم الكتاب بقلمه الذي كتبته مع جودت سعيد وهشام علي حافظ، رحمه الله، (فقد المناعة ضد الاستبداد = الإيدز السياسي). ولذا فقد قام سيد قطب بسد هذه الثغرة في كتاباته، وليته لم يفعل، تأمل كتابه عن السلام العالمي، وأين وصل في كتابه «معالم على الطريق»، لأنه فكر منغلق غير متصل بالفكر العالمي وتطورات الفلسفة الإنسانية. ومن أقواله: ليس ثمة حضارة على وجه الأرض غير الحضارة الإسلامية؟! والخطير هو ربط هذه المفاهيم مع القرآن، فأخذت طابع القدسية التي لاتناقش. وكانت غلطة من عبد الناصر، من حيث أراد إعدام أفكاره، فراجت كتبه أكثر، حتى وصلت مفاهيمه (تورا بورا) في مفهوم «القاعدة» الصلبة التي حملها الظواهري إلى هناك، حتى كملت رحلتها بالارتطام ببرجي نيويورك وانهدام العالم، وما يحدث في مذابح الشرق الأوسط الحالية فصل متواضع من كتاب «المعالم». وحسب معرفتي، فلم يستنفر أحد أو (لجنة) لوضع أفكاره على محك الدراسة المعمقة، مع التعليقات الذكية المنهجية لتصحيح مسار الفكر الإسلامي الراهن، كما يحصل حالياً مع كتاب (كفاحي لهتلر) الذي ينشر بعد تسعين سنة من تأليف صاحبه له في السجن (أدولف هتلر 1924 1925م)، وسبعين سنة من تجريمه وتحريم طباعته بعد سقوط الرايخ الثالث مع هزيمة ألمانيا النازية في الحرب العالمية الثانية في عام 1945م. ويظهر الكتاب حالياً بنسخة من (1948) صفحة مع (3500) تعليق مهم وذكي على الكتاب؟