تحولت حاجة سوق العمل إلى حس ضعيف يقتلع الأحلام ويرميها بعيداً ليضع مكانها حاجة وهمية مؤقتة لتسد فراغاً شكلياً ولا تسد فراغاً عقلياً ليدرك أهمية تنوع اتجاهات الناس. فمن اليوم من الأبناء يبحث عن التاريخ ليدرسه أو الجغرافيا أو الفلسفة أو اللغة العربية كأدب ونحو وصرف، لماذا تراجعت هذه الاهتمامات وتحول الجميع للبحث عن الوظيفة قبل العلم والتعلم ؟! هل فعلا يحتاج سوق العمل دارس الأعمال والإدارة فقط؟ هل صحيح أننا لم نعد بحاجة إلى مفكرين أو مؤرخين أو دارسي آثار أو مبحرين في جمال اللغة العربية وأدبها وعروقها النابضة بالحب؟! كيف تضاءلت هذه الاهتمامات وصارت المدارس والأهل يحثون أولادهم على البحث عن وظيفة دون النظر إلى ماذا ستقدم هذه الوظيفة؟ وأي رضا ستقدم لابنهم؟ وكيف بأي حال ينجح هذا الابن الذي يدرس ويتعلم ضمن إطار تقليدي لا يستطيع الخروج عنه، ومن ثم صارت اهتماماتهم وأحلامهم لا تكاد ترى النور؟ لقد صارت الحاجة ماسة إلى مؤرخين، وإلى جيل جديد من المفكرين المعنيين بتدوين الأحداث وقراءتها وتحويلها إلى هم فكري يمكن رعايته في فضاء من الأفكار والجماليات الفكرية التي ستساهم بالضرورة في إثراء الحياة الثقافية التي نشهد تراجعها كل يوم بعد أن انحسر دارسو الأدب والفلسفة والتاريخ والدين واللغة! فمنذ أن يضع الابن أقدامه على المرحلة الدراسية الأخيرة تحاصره الأفكار المهمومة بالمال وحده، وتزرع النبتة الشيطانية التي تعزز من ظاهرة الوظيفة والوظيفة فقط دون أدنى بعد نظر استراتيجي إلى ماذا يريد هذا الابن وماهي اهتماماته؟ وماذا يحب؟ تحولت الأهداف إلى هدف واحد، وعلى الرغم من أنه هدف مهم، لكنه لا يجب أن يلغي أهدافاً أخرى أكثر أهمية، وأشد خطورة لو تم تجاهلها بهذه الطريقة الصعبة جداً، وعندما يتهم المجتمع بأن الجيل الصغير جيل تافه وغير عميق، فإنه بذلك يظلم هذا الجيل، فالاهتمام الحقيقي يجب أن يوجه لنظام اجتماعي سحب من الطالب اهتماماته، وزرع بدلًا منها نظرة حقيقية تحاصره أينما ذهب. وللأسف الأمر صار ملحوظاً لدرجة أن كلية التربية لم تعد تنتج معلمين، وكأنها وظيفة للإناث اللواتي بدأن أيضاً بالعزوف عنها والبحث عن وظيفة سهلة لا تتطلب جهداً كالتعليم. ضيق الأفق للأسف أفرز شريحة ليست بالبسيطة من الباحثين عن الراحة، وعن الطرق الأسهل لتتحول الحياة إلى وظيفة فارغة من قيمة وإنسان بلا أهداف متميزة، وبالتالي حلقة لا تنتهي من اللاإنتاج واللاإبداع. سوق العمل واسع، ويحتاج لكل الشرائح، وعلينا جميعاً إعادة النظر في التركيز على هذا المفهوم وعلى نظرتنا للمستقبل، فالدولة اليوم تمر بمرحلة مهمة تتمحور حول التنوع، الذي يعني الثراء في الدارسين والمهنيين والموظفين. الوظيفة جزء من أهداف أهم وأجمل من مجرد حصرها في عبارة قتلت بحثاً وهي «حاجة سوق العمل».