قد يكون الحديث عن ارتباك المشهد السياسي في لبنان مضحكاً. ذلك أن المشهد مرتبكٌ جداً منذ اغتيال رفيق الحريري عام 2005! ومع ذلك فإن إقدام رئيس «حزب القوات اللبنانية» سمير جعجع على ترشيح خصمه اللدود ميشال عون لرئاسة الجمهورية متخلياً عن ترشيح نفسه، هو أمر فاجأ الكثيرين، وأضاف إلى إرباكات المشهد السياسي إرباكاً جديداً. فمنذ عام 1988 يعتبر النزاع العسكري والسياسي بين عون وجعجع أبرز أحداث مشهد الانقسام لدى المسيحيين في لبنان. ولمن لا يعرف فإن جعجع كان متطرفاً مسيحياً على طريقته، كما كان عون كذلك منذ أراد الوصول لرئاسة الجمهورية بأي ثمن عقب نهاية مدة الرئيس أمين الجميل عام 1988. كان السوريون عندما سيطروا على المشهد في لبنان بعد الطائف (1990) قد أقْصَوا كلاً من عون وجعجع. أما عون فأرسلوه إلى المنفى في فرنسا إثر فشله باعتباره قائداً للجيش في هزيمة جعجع من جهة، وفي إخراج السوريين من لبنان من جهة ثانية. فقد شنّ حربين بثمانية آلاف عسكري: حرب الإلغاء ضد جعجع، وحرب التحرير ضد الجيش السوري. أما جعجع الذي وافق على الطائف داعماً البطرك صفير، فلم يُكافأْ على ذلك لأنه عارضَ ترتيبات السوريين في البرلمان والحكومة، فاتُهم بـ«ارتكاب جرائم» بعد صدور العفو العام عن جرائم الحرب، وحوكم وسُجن حتى عام 2005. بيد أنّ عودة كلٍ منهما للعمل السياسي أثر اغتيال الحريري عام 2005 اختلفت. أما جعجع فانضم إلى قوى 14 آذار التي أثارت ثورة الأرز للمطالبة بخروج السوريين، ومحاكمة قَتَلة الحريري- بينما عاد عون من فرنسا إثر محادثات سرية مع السوريين، لذلك تصاعد خلافه بسرعة مع قوى 14 آذار، إذ اعتبر أن المشكلة مع السوريين انتهت بخروج الجيش السوري، واقترب بالتدريج إلى «حزب الله» إلى أن أعلن تحالفه معه عام 2007. لقد كان من الطبيعي، ما دام الرجلان يطمحان لرئاسة الجمهورية، أن يظلاّ في معسكرين مختلفين. لذا، ومع نهاية مدة الرئيس ميشال سليمان عام 2014، فإن قوى 8 آذار رشحت الجنرال عون للرئاسة، بينما رشحت قوى 14 آذار الدكتور جعجع. ولأنّ حسابات «حزب الله» وعون كانت أنه لا يمكن الحصول على أكثرية لعون بمجلس النواب، فقد قاطع الطرفان جلسات المجلس النيابي الانتخابية والتي بلغت حتى الآن أربعاً وثلاثين جلسة، بدون جدوى. إذ بقي منصب الرئاسة خالياً. بدأت الخلافات مع جعجع ضمن قوى 14 آذار خلال عام 2013. إذ سار جعجع باتجاه عون للاتفاق على قانون للانتخابات سُمّي «القانون الأرثوذكسي»، والذي يذهب بداعي «صحة التمثيل» إلى أنه ينبغي أن ينفرد المسيحيون بانتخاب نوابهم، لأنهم يعانون بسبب القلة المسيحية والكثرة الإسلامية من أن المسلمين يسهمون في مجيء نصف النواب المسيحيين أو أكثر إلى الندوة البرلمانية. وهكذا يتحكم الطرفان المسلمان الكبيران في العملية السياسية، فإذا توافقا سارت الأمور، وإذا اختلفا تعقدت الأمور، كما هو حاصل منذ سنوات. ورغم أن تنازل الدكتور جعجع الأول تجاه الجنرال عون لم يؤْتِ ثماره بسبب عدم موافقة السنة والشيعة وبعض المسيحيين، فإنه خفّف من العداء بين المعسكرين المسيحيين، فصار بينهما «اتفاق تفاهم»، مهَّد للمشهد الحالي الذي يتنازل فيه جعجع مرةً أُخرى للعماد عون عن رئاسة الجمهورية، التي لا يملكها أيٌّ منهما بالطبع بعد، وإن كان عون يعتبرها حقه منفرداً ولا أحد غيره منذ عام 1988. أولُ ما ينبغي قوله إنّ المسيحيين استعادوا لأول مرة المبادرة في رئاسة الجمهورية بعد أن صارت رهناً بعد الطائف بالتوافق السني الشيعي. وثاني ما ينبغي قوله إنّ هذا الاصطفاف الجديد يغيّر المشهد السياسي من حيث إنه يحطّم المعسكرين السياسيين القائمين، 14 آذار و8 آذار. فقد سعى سعد الحريري من جانبه لترشيح النائب سليمان فرنجية- متخلياً عن جعجع- وفرنجية (مثل عون) من 8 آذار. وثالث ما ينبغي قوله أنّ المشهد لن يتغير قريباً، فستظلّ الرئاسة خالية، ليس لأن فرنجية لا يزال مرشحاً فقط، بل ولأنّ المشهد الإقليمي والدولي يبدو شديد الانقسام، وهو يؤثر كثيراً على المشهد اللبناني. بدليل أنّ «حزب الله»- وهو نصير عون الرئيسي- ما بدا متحمساً لازدياد الأرجحية المسيحية باتجاه عون.