هناك حالتان مميزتان لـ«اقتصاد الموارد الجانبية». واحدة تعود إلى عهد الرئيس الأميركي الأسبق رونالد ريجان وتقوم على فكرة أنك إذا خفضت الضرائب على الأغنياء، فإن هؤلاء سيعملون بجهد أكبر وسيستثمرون أكثر، وأن فوائد كل ذلك ستمتد وتصل في النهاية إلى الخزينة العامة وطبقات المجتمع الأدنى. ولكن هذه الرؤية خاطئة. أما الرؤية الأخرى، التي تعتبر ركناً من أركان اقتصاد النمو، فتقوم على فكرة أنه لئن كانت كفاية الطلب أساسية من أجل استغلال القدرة الكاملة للاقتصاد، فإن توسيع وزيادة متغيرات الموارد الجانبية (المُدخلات في عملية النمو) هي الطريق إلى تعزيز تلك القدرة ورفعها. وتشمل هذه الأخيرة توفير العمالة، والمكاسب التكنولوجية والإنتاجية، والسلع التي تشتغل بها الاقتصادات، وإحدى تلك السلع بالطبع- وأهمها- النفط. وتقول هذه النظرية: إن رخص النفط يفترض أن يعزز النمو، ليس دورياً فحسب (في المدى القريب) ولكن بنيوياً أيضاً (في المدى البعيد)، والعكس بالعكس. وهذه الرؤية صحيحة. ولكن هل هي كذلك بالفعل؟ عندما ينخفض سعر مُدخل مهم من المدخلات مثل النفط بالقدر الذي انخفض به خلال الأشهر الأخيرة، ستقول لك «نظرية الموارد الجانبية» إن ذلك يدعم النمو، ولاسيما في بلد مثل الولايات المتحدة التي ما زالت تعتبر من البلدان المستوردة للطاقة. ولكن عندما نبحث ونقلّب هذه الفكرة البسيطة- أن رخص المدخلات يؤدي إلى مخرجات وإنتاج أكبر- نجد أنها تحتاج لفهم يراعي الفروق والاختلافات الدقيقة، ولنتأمل التالي: - الأسواق المالية العالمية: فالانخفاض الكبير في سعر النفط الذي جاء أكبر من المتوقع- كان السعر يفوق 90 دولاراً للبرميل قبل أن يبدأ في الانخفاض ليصل خلال الأسبوع الماضي إلى 30 دولاراً فقط- ترك آثاره على الأسواق المالية، حيث تسبب في خسائر في أسعار الأسهم واضطرابات كبيرة داخل الولايات المتحدة وخارجها. وتُعتبر المالية قناة أخرى من قنوات «الموارد الجانبية»، والتأثير السلبي للانخفاض الحاد في أسعار النفط يمكن أن يضر النمو من خلال «التأثير السلبي للثروة» (ذلك أن انخفاض قيمة الأصول، وإنْ كان على الورق فقط، يجعل الناس يشعرون بأنهم قد أصبحوا أفقر، فيشرعون في الإنفاق بشكل أقل). - المنتجون والنفط الصخري: لماذا انخفض سعر النفط بهذه الدرجة؟ لقد لخص «سكوت تينكر» من جامعة تكساس في «أوستن» الجواب في «النفط الصخري». فطفرة النفط الصخري في الولايات المتحدة، تعتبر مساهماً كبيراً في وفرة المعروض الحالية وتخمة الأسواق. هذا زيادة على قرار المنتجين الكبار للنفط القاضي بعدم تقليص الإنتاج رداً على الوفرة الحالية، ربما لإرغام المنتجين الضعفاء على الانسحاب من أجل الحفاظ على حصصهم في السوق. والواقع أن الرد على الانخفاض الحاد في الأسعار كان من الوارد أن يكون تقليص الإنتاج، ولكن السعودية وبعض الدول المنتجة الأخرى لم تفعل، وهو ما أدى إلى انخفاض الأسعار على نحو أكبر مما كان متوقعاً وتسبب في نتائج مزعزعة لاستقرار الأسواق لا نربطها عادة برخص المدخلات (على جانب الموارد). وهذا مثال جيد في الواقع للكيفية تفسد «قوى لا سوقية» النموذج الكلاسيكي البسيط. - خليط الصناعة: القصة البسيطة بخصوص رخص النفط هي أن الكيفية التي يؤثر بها في الاقتصاد الكلي لبلد ما تتوقف على ما إن كان هذا الأخير مستورداً خالصاً (يفيدك) أو مصدِّراً (يضرك). وهذا صحيح، ولكن هنا أيضاً لابد من مراعاة بعض الاختلافات الدقيقة. فطفرة النفط الصخري تلك جعلت الولايات المتحدة لاعباً عالمياً أكثر تأثيراً، في وقت ضاعفت فيه إنتاجها الداخلي من النفط منذ 2008، حيث أضافت الطفرة 3 ملايين برميل يومياً إلى سوق عالمية تستهلك 94 مليون برميل نفط يومياً. وبالتالي، فعلى رغم أن الولايات المتحدة لم تصبح مصدِّراً صافياً بعد، إلا أن الكثير من الشركات الجديدة باتت اليوم تشتغل في قطاع استخراج الطاقة. والرقم المشار إليه أعلاه يُظهر الانخفاض الحاد في الاستثمارات في هذا القطاع. ولكن قبل أن نستسلم للقلق والجزع (الانخفاض الأخير أكبر من الانخفاضات السابقة أثناء فترات الركود)، علينا أن نتذكر أن هذا القطاع كان يمثل 6,5 في المئة من الاستثمارات التجارية قبل انهيار الأسعار، واليوم أصبح يمثل نحو 3 في المئة. ولاشك أن هذا يمثل انخفاضاً كبيراً خلال فترة قصيرة، ولكنه أيضاً ما زال يمثل نسبة صغيرة، على كل حال. جارد برنشتاين خبير اقتصادي أميركي متخصص في شؤون الطاقة ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»