تنهال على سوريا الضربات الماحقة تلو الضربات، وهي ما تزال تخاطب العالم المعاصر: هل عدت إلى مرحلة ما قبل الإنسان العاقل، ولماذا؟ هذا السؤال يرد في كثير من صفحات التاريخ الأسطوري، محاولة لفهم «طبائع الأمور»، فهل من هذه الطبائع أن يعمل رجال الموت على تفكيك سوريا، تصوروا، على تفكيك سوريا في أكثر معاقلها وجوانبها حباً للحياة وصُنعاً للتاريخ الحضاري؟ إنها تلك المعاقل والجوانب الكبيرة، التي اكتشفت معايير التمييز بين الإنسان والرئيس، نعني الأبجدية اللغوية الفعلية، التي سمّت هذا إنساناً وذاك وحشاً، وهذا مُعلّمًا وذاك قاتلاً، وتابعت محددة الأول بصانع للحضارة، والثاني خنزيراً يلوّثها في آفاقها البنّاءة المفتوحة على انتصارات الحياة. وإذا كان الأمر كذلك، ألا يغدو السؤال التالي غير نافل بل وارداً، لماذا إذن يحدث في سوريا ما يحدث، ولا نزال لم نكتشف له بعد ضبطاً لغوياً دقيقاً؟ نقول ذلك، ونحن علمنا أن «الأبجدية» التي كانت من اكتشاف سوريا، هي التي تطرح السؤال نفسه ثانية: هل على سوريا الجريحة والمفككة المتصدعة أن تقوم هي نفسها باكتشاف أو بإبداع لغة جديدة تعبّر عنها ثانية، ولكن الآن من موقع مأساتها الكونية العظمى؟! ما يحدث راهناً في مدينة مضايا من وجود بشري بلا حياة، أولاً، ومن إخراج السجين من طراز جديد ميشيل سماحة اللبناني من سجنه، دون إكمال محكوميته ثانياً، لقد رأينا في مضايا ما لم يرهُ البشر قبلنا. ولا ندري، هل هذا من حظنا، كي نرى أحداثاً غير مسبوقة! والحق، إنه لأمر يفرّق الرضيع عن أمه، والموت عن الحياة، لقد كانت الهياكل يعجز المرء عن تحديد هويتها الوجودية، وضبط موقعها التاريخي البيولوجي والسوسيولوجي. ولعل ما قاله مندوب فرنسا في الأمم المتحدة قبل ثلاثة أيام، يعبر عن كثير من الموقف الإجرامي والبربري الفظيع، تجاه سكان مضايا، قال المندوب: «إن سوريا تمثل أكبر تراجيديا في هذا القرن»، وهذا من شأنه أن يعني أننا اليوم وفي العالم الراهن نمثل شاهدي أكبر ما ندعوه تراجيديا وحشية فظيعة في وحشيتها ودناءتها. أما من طرفنا فنعلن إننا - في هذا - نمثل شهوداً على ما ينبغي البحث فيه علمياً بيولوجياً واجتماعياً وتاريخياً، ما قد يعني البحث في طبيعة «العقوبة» لتلك التراجيديا. وهذا بدوره إنما هو حثّ على القيام بمؤتمرات ولقاءات عالمية وعربية يُبحث فيها «الجديد» فيما نحن بصدده، إضافة إلى تأسيس مراكز بحوث في العالم العربي خصوصاً، ليرتقي الباحث العربي إلى مستوى الحدث المعني وإلي ما يندرج في حقله. والشيء المثير للعواطف الإنسانية بكيفية هائلة، في شناعتها، يتمثل بما فعله فريق من رجال الأمن والقضاء بلبنان، حين أخرجوا السجين ميشيل سماحة من سجنه، لقاء لعبة قانونية وأموال وفيرة. فبقدر ما تغوص هذه الجريمة الشنعاء في انحطاط إنساني مذهل وخطر على استقلال لبنان وعلى أطفاله وشعبه، فإن «حزب الله» اللبناني رحّب بذلك، ومعْلناً موقفه هذا علناً، ومُحدثاً - والحال كذلك - حالة من الذهول: كيف يتم ذلك أولاً، دونما رادع أخلاقي ووطني وإنساني؟! لقد رحب الحزب المذكور بتلك الخطوة، التي جاءت مسحاً شديد الفظاعة والهول لما اقترفه السجين ميشيل سماحة، أي على إدخاله 23 عبوة ناسفة من دمشق لاستخدامها في لبنان ضد خصوم له أو آخرين، كما ورد في الإعلام اللبناني، إن الشقيق لبنان، الذي ما يزال يعاني من الإرهاب منذ عقود، يأتي الآن ميشيل سماحة ليزيد فيه الطين بلّة. أما ما يمسُّ حزب الله سورياً، فهو مشاركته في حصار مضايا وتجويع أطفالها ونسائها وشيوخها، على نحو منسق، لكنّ ما يجمع بين الحالتين المذكورتين، حالة مضايا وحالة «سماحة» و«حزب الله» اللبناني في ترحيبه بإخلاء سبيل السجين سماحة، يتمثل في أن تينك الحالتين تلتقيان في نقطة حاسمة هي رعاية الإرهاب.