ألقى باراك أوباما آخر خطاب له حول «حالة الاتحاد»، وهو تقليد درج عليه الرؤساء الأميركيون الذين يغتنمون هذه المناسبة ليوضحوا لمواطنيهم رؤيتهم لأميركا، فقام بما يشبه جرداً أولياً لحصيلة ولايتيه الرئاسيتين وبالإعداد للاستحقاقات الانتخابية لشهر نوفمبر المقبل. ومع أنه لا تجمعه علاقات مودة قوية بهيلاري كلينتون، إلا أنه مما لا شك فيه أن هدفه هو قطع الطريق على «الجمهوريين»، وذلك نظراً لأن فوز أحدهم في الانتخابات الرئاسية المقبلة سيُنظر إليه على أنه رفض وإنكار لرئاسته. وغني عن البيان أن الآمال التي علّقت على أوباما – عندما انتخب في نوفمبر 2008 – كانت كبيرة جداً وشملت طي صفحة سنوات بوش السوداء، ومصالحة الولايات المتحدة مع بقية العالم عبر القطع مع السياسة الخارجية الشرسة السابقة، وتمثيل بلد يفترض أن المسألة العرقية فيه انتهت، إلخ. وكلها أمور قوّت الأحلام وأحيت الآمال عبر العالم كله، فظهر ما يشبه موجة إعجاب وشغف بأوباما، ولكن الواقعيين نبهوا إلى أنه مهما تكن مؤهلات أوباما، فإنه لا يملك عصا سحرية، وإنه حتى إذا كانت لديه رؤية أذكى من سلفه، فإنه سيدافع عن المصلحة الوطنية الأميركية قبل كل شيء. اليوم، تبدو حصيلة أوباما متفاوتة، ولكن العناصر الإيجابية تفوق العناصر السلبية. أوباما فاز بجائزة نوبل للسلام عام 2009 استشرافاً لما كان متوقعاً منه، لأن إخفاقه الكبير هو عدم تسوية النزاع الإسرائيلي الفلسطيني مثلما كان يأمل الكثيرون (ومنهم أعضاء لجنة نوبل). فهو لم يتمكن من إنهاء الاحتلال، ولا من الحؤول دون تمديده وتوسيعه، ولأسباب تتعلق بالسياسة الداخلية، فاز نتنياهو برهان القوة ضد أوباما. وفضلاً عن ذلك، فإن الانسحاب من العراق وأفغانستان لم يتم على نحو منظم، حيث لم يترك التدخل الأميركي وراءه بلدين ينعمان بالسلام والاستقرار. كما لم يتمكن أوباما من طي صفحة الخلاف القديمة مع روسيا وبدء فصل جديد في العلاقات الأميركية الروسية، وذلك بسبب رغبة بوتين في تأكيد عودة قوية لروسيا على الساحة الدولية، من جهة، وصعوبة اعتبار موسكو شريكاً، في واشنطن، وليس الطرف المنهزم في الحرب الباردة، من جهة ثانية. وقد لعب استمرار نظام الدفاع الصاروخي، الذي كان أوباما قد وعد بالتخلي عنه خلال انتخابه، دوراً لا يستهان به في هذا الصدد. وبالمقابل، يُحسب لأوباما أنه لم يورّط بلده في مغامرات عسكرية خطيرة جديدة. ولا شك أنه يؤخذ عليه أنه وضع خطوطا حمراء (استعمال الأسلحة الكيماوية في سوريا، ومواصلة الاحتلال الإسرائيلي) من دون أن يحرص على فرض احترامها، حيث تم تخطيها من دون أن يثير ذلك أي رد فعل من جانبه. غير أنه كانت لديه الشجاعة والكفاءة للمساهمة في إغلاق الملف النووي الإيراني، حيث تم الحؤول دون تحول إيران إلى قوة نووية وتلافي حرب جديدة في المنطقة، وتحقيق المصالحة مع كوبا. وحين تعرض للانتقاد من قبل خصومه «الجمهوريين» على خلفية ما يعتبرونه نهاية زعامة الولايات المتحدة للعالم، أشار أوباما إلى أن هذه الأخيرة مازالت الدولة الأقوى في العالم. ولكنه لم يذهب إلى حد الاعتراف بأنه إذا كانت الولايات المتحدة لا تزال البلد الأقوى في العالم، فإن هذه القوة أضحت نسبيةً نظرا لصعود قوى أخرى. ذلك أن الاعتراف بزوال هيمنة العالم الغربي مازال يبدو شيئاً مستحيلاً بالنسبة لأي شخصية عامة أميركية لديها طموحات انتخابية. وبخصوص التهديد الإرهابي، فند أوباما فكرة أن حرباً عالمية ثالثة يتم خوضها حالياً ضد تنظيم «داعش» وقال: «لا شك أن مقاتلين في مؤخرة شاحنة «بيك آب» وأرواح شريرة تحيك المؤامرات في شقق أو مرآب تطرح خطراً حقيقياً بالنسبة للمدنيين، ولكنها لا تمثل تهديداً وجودياً لبلدنا، مثلما يريدنا «داعش» أن نعتقد».. كلمات حكيمة تمثل رداً متوازناً وملائماً على تحديات تنظيم «داعش»، وتتعارض مع ردود المرشحين «الجمهوريين» تبعث على الخوف والقلق من تصاعد للعنف على نحو يخرج عن السيطرة. وعلى الصعيد الداخلي، يمكن القول إن حصيلة أوباما الاقتصادية كانت ممتازة على اعتبار أنه تسلم بلداً في أوج الأزمة وسيعيدها في صحة جيدة. ومن جملة الإنجازات التي حققها أنه أنقذ صناعة السيارات الأميركية وخفّض البطالة إلى أدنى مستوى لها، غير أنه، بالمقابل، لم يتمكن من الحؤول دون تفاقم التفاوت، كما أن أميركا مازالت بلداً لم تحسم فيه المسألة العرقية بعد، ونظراً لقرار للمحكمة العليا في 2010، فإن تأثير المال في الانتخابات بات أقوى مما كان عليه في السابق. ولا شك أن إصلاح نظام الرعاية الصحية «أوباما-كير» يُعتبر حدثاً شبه ثوري في الولايات المتحدة وسيُنهي مصدراً مهماً للشعور بالإجحاف والظلم، كما قام أوباما بإطلاق حملات مهمة لمكافحة داء السرطان وتقنين حيازة الأسلحة النارية، غير أنه سيتعين الانتظار لرؤية ما إن كان سيحقق تقدماً قبل نهاية رئاسته. وإذا كان أوباما لم يحقق كل ما كان الناس يأملونه، بما في ذلك التوقعات الواقعية، إلا أنه حقق مع ذلك نجاحات لا يمكن إنكارها وتجنب كوارث كبيرة جديدة. ولاشك أن المحبطين من حصيلته سيتأسفون ويتحسرون كثيراً في حال فوز مرشح رئاسي «جمهوري» في انتخابات نوفمبر المقبلة.