«مضايا» أعرفها جيداً وفيها كنت أستجم وأدرس استعداداً لامتحانات كلية الطب. ليست «مضايا» لوحدها بل بقية المصايف الجميلة بقين والزبداني وبلودان. كنت مع صديقي (عرفان عبيد) الذي يستضيفني في بيته في «مضايا» ونحن ندرس مادة التشريح، بل وفي نسمات الصباح المنعش، قرأت كتاب (ميلاد مجتمع) لمالك بن نبي مثل مادة الفسيولوجيا والتشريح إن لم يكن أكثر، فأنا عشرة بالمائة مني طبيب وطب وجراحة وعمليات والباقي فكر وكتابة. أكتب من ثلوج كندا في يناير 2016، ودرجة الحرارة عشرين تحت الصفر، وأعرف البرد جيداً في منطقة مصايف الشام الرائعة، ولكن الجوع هو الشيء الجديد على المنطقة التي لا تعرف كلمة الجوع، فهي جنات ذات بهجة للناظرين ومتعة للساكنين ومصدر للخضراوات والفواكه الطازجة. هكذا أصبحت سوريا مقبرة ومدفنة وأرض غزاة من روس وصفويين يقتلون أطفال سوريا ويستبيحون نساءهم. الجوع مفردة عجيبة تذكرني بقصة أبو محمد (عبد الكريم خوجا) الحلبي الذي كان معتقلا في الحلبوني، حيث كان قصر تاج الدين الحسني رئيس الجمهورية ما بعد الاستقلال، فحولته المخابرات العامة إلى مكان تعذيب المعتقلين السياسيين! تدخل المكان لتستقبلك في الوسط على طريقة البيوت الدمشقية القديمة نافورة ماء تحولت إلى مكان بلل وترطيب خيزرانات الجلادين وعصيهم فيضربون الناس، وصوت المضروب المعذب يتأرجح بين الأنين الإنساني وعواء الحيوانات من سلالات شتى بين عوي ذئاب ونباح كلاب وغثاء معز ومواء قطط، مع صرخات الاستغاثة، والحلف بالله، وطلب الدخيل على الجلاد بالرحمة من دون فائدة، فلا بد أن يدلي بمعلومات ولو كاذبة. سوريا تحترق لسبب بسيط أنها غابة جافة منذ نصف قرن كانت تنتظر عود ثقاب حتى تأكلها النيران. في الحرب العالمية الثانية مات جل الجيل النازي، وهو ما سيحدث مع النظام «البعثي» الطائفي المقيت وجيله المجرم، وسيعرف السوريون ثمن الحرية بعد جوع وفقر وحرمان وإذلال وقتل، فيقولوا لا عودة للعبودية، كما حصل مع بني إسرائيل بعد تدمير فرعون وجيشه. مع كتابة هذه الأسطر تناهى لسمعي تفجيرات جاكرتا في 14 يناير 2016م والأشد في إسطنبول في نفس الوقت حين أقدم المجرمون في تفجير مركز السلطان أحمد السياحي فأخذوا إلى الموت ثلة من السواح الألمان. أقول حين قصّر السوريون في قطع الطريق على الانقلاب «البعثي» عام 1963م، دفعوا الثمن في حماة بقتل أربعين ألفا، وتدمير نصف المدينة، وحرق أناس على قيد الحياة كما في أفلام الهولوكوست النازية، وحين لم يفعل السوريون شيئاً أمام كارثة حماة دفعوا الثمن أنهاراً من الدماء في أحداث الثورة على مدار خمس سنوات، ولأن أوباما والغرب يتفرج على الملهاة بعيون ضفدع، ولا يفعل شيئا فهو يدفع الثمن في باريس ومالي وجاكرتا وإسطنبول عاصمة بني عثمان وسيناء وموسكو حيث يستعرض بوتين عضلاته. وأقول أكثر إذا كان غزو أفغانستان كان مقدمة في انهيار الإمبراطورية البريطانية، وتشظي الاتحاد السوفييتي فرقعة في صفحات التاريخ، فسوف تكون الدماء السورية نهاية لمن يدعمون النظام.