في العراق هيئة تسمى «مفوضية حقوق الإنسان»، لكنها ليست معنية بحقوق العراقيين جميعهم، وهي لا تكف عن إصدار تقارير تدين إرهاب تنظيم «داعش» الذي لا يختلف على إدانته أحد تقريباً في العالم، وكان آخرها- بمناسبة نهاية العام- أقرب إلى منشور سياسي منه إلى تقرير حقوقي يشمل المنظمات الإرهابية كلها. فليس لدى هذه الهيئة إلا عين واحدة، لذلك فهي لا ترى إرهاب الميليشيات العراقية الموالية لإيران، لكنها ليست وحدها؛ فكذلك هي حالة القوى الدولية الكبرى وقادتها الذين يتنافسون في محاربة إرهاب «داعش»، ويوزعون الأدوار بينهم رضاءً أو اضطراراً، بينما يصمتون حين يتعلق الأمر بالميليشيات العراقية المسلحة التابعة لإيران. ولا تكتفي القوى الكبرى بذلك، بل يتواطأ بعضها مع هذه الميليشيات التي يتحرك معظمها تحت مظلة ما يُسمى «الحشد الشعبي»، بينما يدعمها بعض آخر بشكل ضمني تحت لافتة القضاء على «داعش» في العراق. ولا تختلف جرائم هذه الميليشيات عن تلك التي يرتكبها تنظيما «داعش» و«القاعدة». فهي تفتل على الهوية المذهبية، وتعمل في خدمة مشروع «الجمهورية الإسلامية»، وتعيث فساداً في أي منطقة سنية تتمدد فيها، كما فعلت في بعض المناطق التي طُرد مسلحو «داعش» منها بين مارس ويوليو 2015. وإذا وجدت سكاناً عانوا ويلات «داعش» اتهمتهم باحتضانه كذريعة للتنكيل بهم. وإذا كان السكان قد غادروا بلدة أو أخرى هرباً من بطش «داعش»، منعتهم من العودة بدعوى وجود ألغام تتطلب إزالتها وقتاً. والفرق الوحيد بين «داعش» وهذه الميليشيات هو أن الأول يجهر بذبح بعض ضحاياه، ويبث صورهم خلال عملية نحرهم، لأن بث الرعب في قلوب أعدائه يُعد جزءاً من عقيدته. أما الميليشيات العراقية، التي لا تقل قسوة عن «داعش»، ويذبح بعضها أحياناً ضحاياه، فهي تخفي هذه البشاعة وتسعى لعدم إظهار جرائمها عموماً، لأن «التقية» جزء من عقيدتها. وإذا كان «داعش» يدمر التراث الإنساني في المناطق التي يتمدد فيها نتيجة اعتقاد ساذج بتعارضها مع الشريعة الإسلامية، فكذلك تفعل الميليشيات التي تستهدف كل ما تظن أنه يتعارض مع المذهب الشيعي. وقد بدأ متطرفون شيعة هذا التدمير في وقت مبكر جداً منذ أن وقعت بغداد بأيديهم عقب الغزو الأميركي. وكان النصب التذكاري للخليفة العباسي أبو جعفر المنصور مؤسس مدينة بغداد هو الهدف الأول لهذا التدمير في أكتوبر 2005، أي في مرحلة اختمار الإرهاب الذي مارسته ميليشيات مسلحة بعد ذلك بدعم من إيران. فقد جاء في إحدى الروايات، التي يتبناها متطرفون وتنطوي على تزييف للتاريخ، أن هذا الخليفة العباسي اضطهد الشيعة. لكن القدر المتيقن من تاريخ هذه المرحلة يفيد بأن المنصور واجه تمرداً من بعض الفرس حينئذ على خلفية اتهامه بالمسؤولية عن مصرع أبي مسلم الخراساني، الأمر الذي يؤكد أن المشروع الإيراني فارسي بمقدار ما يعبر عن أقصى التطرف الشيعي. وهكذا يتبين أن المليشيات العراقية «الشيعية» هي بمنهجها وعقليتها، وليس بممارساتها فقط، تمثل الوجه الآخر لـ«داعش». وإذا كان «داعش» تنظيماً إرهابياً، فلابد أن تكون الميليشيات التي تمثل الوجه الآخر له، كذلك إذا التزمنا معياراً واحداً في التصنيف. لا فرق في الممارسات يبرر أن تُجيش القوى الكبرى عدتها وعتادها لمحاربة إرهاب «داعش»، بينما تتواطأ مع إرهاب تلك الميليشيات، رغم أن كلاً منهما يغذي الآخر ويصب زيتاً على النار التي يوقدها. والفرق الوحيد الذي يمكن أن يفسر ازدواج معايير القوى الكبرى في هذا المجال هو المصالح التي لا تترك مجالا لمبادئ أو قواعد عامة أو سياسات مستقيمة؛ فمصالح الدول الكبرى تدفعها للتغاضي عن إرهاب الميليشيات العراقية بسبب مصالحها مع إيران بعد التحول في اتجاهات السياسة الأميركية، ومن ورائها الدول الغربية الكبرى الأخرى. لكن هذا الازدواج في التعامل مع إرهابَيْن يُغذي كل منهما الآخر إنما يصب زيتاً كل يوم على النيران التي يوقدانها، ولا يؤدي إلا إلى زيادة التهديد المترتب عليهما وتوسع نطاقه في أنحاء العالم من الولايات المتحدة وأوروبا إلى آسيا الوسطى.