انفجرت الخلافات السياسية بين إيران من جهة والمملكة العربية السعودية ومعظم دول مجلس التعاون الخليجي من جهة ثانية، بعد تنفيذ حكم الإعدام برجل الدين السعودي (الشيعي) «نمر النمر»، وردود الفعل الإيرانية الحادة على إعدامه بناءً على حكم قضائي صادر بحقه.. حيث قامت قوات الحرس الثوري الإيراني، ومعها غوغاء الشارع، بإحراق سفارة المملكة العربية السعودية في طهران وقنصليتها في مدينة مشهد، مما دفع بالرياض لسحب سفيرها من إيران والإعلان عن قطع العلاقات الدبلوماسية والتجارية معها، والطلب من السفير الإيراني مغادرة الأراضي السعودية في غضون 48 ساعة، وقد اتخذت كل من البحرين والسودان وجيبوتي خطوات مماثلة بقطعها العلاقات مع إيران وسحبها السفراء من طهران وإبعاد الدبلوماسيين الإيرانيين من أراضيها تضامناً مع المملكة العربية السعودية، كما استدعت دولة الإمارات العربية المتحدة سفيرها من طهران وقلصت حجم البعثة الدبلوماسية الإيرانية لديها، كذلك استدعت كل من قطر والأردن سفراءهما من طهران.. احتجاجاً على الاعتداءات ضد البعثة الدبلوماسية السعودية في طهران ومشهد. وهكذا فقد دفع تفاقم الأزمة بين الجانبين بست دول لعرض الوساطة من أجل التهدئة ومحاولة احتواء الخلاف والتخفيف من حدة التوتر في منطقة الشرق الأوسط، ومن هذه الدول الولايات المتحدة وروسيا وتركا وعُمان وباكستان والعراق.. بغية إخماد التوتر في المنطقة. والسؤال الآن هو: كيف يمكن الحد من التدهور في العلاقات إذا كانت السعودية وبعض دول الخليج والدول العربية تنظر -وعن حق- إلى إيران على أنها المصدر الرئيس لحالة عدم الاستقرار وإثارة الفتنة الطائفية في المنطقة؟ الخطب والتصريحات التي يلقيها قادة إيران ضد دول الخليج معروفة ومعلنة، منها مثلاً قيام مرشد الثورة الإيرانية علي خامنئي باستقبال مجموعة من المعارضة البحرينية، حيث بارك لهم «قوتهم وصمودهم»! هذا علاوة على استمرار إيران في التدخل في الشؤون الداخلية لدول الخليج، فضلاً عن العراق وسوريا واليمن ولبنان وقطاع غزة.. تحت يافطة ادعاء الدفاع عن الأقليات الشيعية! واليوم وصلت المواجهة، السياسية والمذهبية، أوجَها بعد التدخل الإيراني في اليمن، ودعم طهران للحوثيين وأنصار صالح هناك، ومهاجمة الحدود السعودية، مما دفع الدول الخليجية، بقيادة المملكة العربية السعودية، إلى إطلاق «عاصفة الحزم» ضد المخطط الإيراني في اليمن. كلنا نعي بأن إيران هي المسؤول الأول عن حالة عدم الاستقرار في المنطقة، لكن كيف يمكن التعامل معها؟ لا أحد يريد اشتعال الحرب والدمار في المنطقة، لذلك لابد من تحكيم العقول وعدم الانجراف وراء الشعارات الطائفية التي يثيرها بعض رجال الدين. قادة الخليج عقلانيون ويحسبون كل الخطوات والمواقف بشكل جيد ومتأنٍّ وحصيف، لذلك سوف يقومون بإدارة الخلافات مع إيران بعيداً عن الإثارة وعن التأثر بأجواء الدعوات للحروب الطائفية التي يروج لها رجال الدين المتطرفون على الجانبين. ويعرف القادة العرب والإيرانيون بأن لدينا مصالح تاريخية مشتركة، لها أبعاد دينية وثقافية وتجارية وغيرها. إيران جارة كبرى لست دول خليجية، وللعراق أيضاً، ولدينا مصالح مشتركة، رغم النزعات الترابية والخلافات الحدودية.. لذلك علينا أن نؤكد لإيران بأننا نرفض تدخلها في شؤوننا المحلية، ونطالبها بالتركيز على المصالح التي تهم الشعوب الإيرانية والعربية معاً. ----------------------- *أستاذ العلوم السياسية -جامعة الكويت