قد يستغرب القارئ الكريم في وصف كل من القراءة والكتابة بأنها تقنية أو تكنولوجيا لكنهما كذلك، فهما وسيلتان مرتبطتان ببعضهما بعضاً، وتستخدمان لكي تفيا بمتطلبات المجتمعات كافة من بسيطها في الدول النامية، أو تلك التي هي في طور النمو، أو المجتمعات المتقدمة. وعندما كان مجتمع الإمارات بسيطاً قبل أن يشهد النهضة المباركة التي يعيشها، كانت القراءة بالشكل الذي تفيان به بمتطلبات مجتمعها واحتياجاته ليستا بالشيء الغريب عليها. وبرغم أنهما كانتا في السابق موجودتان في أوساط النخب التقليدية المتعلمة تعليماً قائماً على حفظ القرآن الكريم وترتيله، وتعلم حروف اللغة العربية بطرقها وأشكالها البسيطة، إلا أن استعمالهما بشكل اعتيادي على المستويات الشعبية، لم يكن منتشراً بشكل واسع، وبقي محدوداً، واقتصر على الحواضر الساحلية التي كانت تعتبر آنذاك مدناً ذات كثافات سكانية وعمران، وفقاً لمقاييس ذلك الزمان. لقد اقتصرت استخدامات ذلك التعليم التقليدي على المكاتبات الرسمية التي كان يتبادلها الحكام فيما بينهم على الصعيد الداخلي للإمارات، وتلك التي يتبادلونها مع السلطات البريطانية، ومع جيرانهم من حكام الخليج العربي الآخرين، وفي العقود الشرعية كالزواج والطلاق، وفي المعاملات التجارية كبيع وشراء الأراضي والتداين ومعاملات الغوص على اللؤلؤ وبيعه وشرائه. وتجدر الإشارة إلى أن القدرة على القراءة والكتابة اقتصرت على أبناء الفئات الاجتماعية التي كانت في أعلى درجات السلم الاجتماعي وميسورة الحال. لذلك يلاحظ بأن القراءة والكتابة في مجتمع الإمارات القديم لم تكن تتداول كوسيلة للثقافة والأدب الشعبي العام، بمعنى أنها لم تكن في متناول الفئات الاجتماعية ذات الدخول المالية المتدنية، أو تلك التي لا تنتمي إلى النخب المتعلمة في إطار التراتب الهرمي للمجتمع، إلا فيما ندر. لذلك يمكن القول بأن مجتمع الإمارات التقليدي القديم، شأنه شأن مجتمعات دول الخليج العربي الأخرى، لم يكن يمتلك تقنية القراءة والكتابة على المستوى الشعبي العام بمفاهيمها الحديثة التي نلمسها حالياً. وبالتأكيد أن ذلك لا ينفي إلمام المجتمع بالحروف الأبجدية وكتابة الأرقام والقواعد الأولى للحساب، بل على العكس من ذلك، كانت الحروف الأبجدية الفصحى معروفة من خلال استعمالها اليومي المتكرر في الصلوات الخمس، واستخدامات الأرقام والحساب على مستوى الجمع والطرح معروفة في التداولات التجارية، سواء على الصعيد الداخلي أو الخارجي، ولكن ما كان غائباً هو استعمال تقنية القراءة والكتابة من قبل العامة، لذلك فإن توظيف المعرفة بالحروف الأبجدية العربية والأرقام الحسابية اجتماعياً على المستوى الشعبي منذ أن دخل التعليم الحديث إلى المنطقة منذ خمسينيات القرن العشرين، حيث وصل إلى مستواه المرموق الذي نشهده الآن في إطار النهضة الشاملة التي يشهدها المجتمع. ويعود السبب في ذلك إلى اتساع التعليم العام على المستوى الشعبي والجهود الرسمية المكثفة التي بذلتها الدولة الاتحادية، والحكومات المحلية للقضاء على الأمية وتعليم المرأة والرجل بنفس القدر وعلى قدم المساواة. إن تنمية شاملة مستدامة من قبل تلك التي تضطلع بها دولة الإمارات في هذه المرحلة من تاريخها المجيد تتطلب أن تصل المعلومات بشكل منهجي صحيح وأساليب سلسلة ومنظمة إلى كافة المستويات الشعبية سواء كان ذلك من القمة إلى القاعدة أو من القاعدة إلى أعلى، أم بين مؤسسات المجتمع كافة من رسمية وخاصة، أم بين الأفراد وبعضهم بعضاً، أم بين المجموعة والفرد، أم بين مجموعة وأخرى، وأهم ما في ذلك بالطبع هو ما يجب أن يتم تبادله من معلومات بين الدولة ومواطنيها. وهذا ينطلق من كون أن التنمية الشاملة المستدامة تتطلب نشراً وتوزيعاً واسعاً للمعرفة الحديثة، سواء تم استقاء تلك المعرفة بشكل مختصر من استقرار واستيعاب التجارب السابقة، أو أن تلك المعرفة برزت حديثاً من التفكير المختزل. ولكي تحقق الإمارات أهدافها المنشودة في هذا المجال لابد لها من استخدام تقنيات القراءة والكتابة بشكل واسع ومكثف مستفيدة من إدخال واستعمال تقنيات القراءة والكتابة والتخاطب الحديثة بكافة أنواعها، خاصة ما يتعلق منها بعلوم المستقبل، فهي الوسيلة المثلى التي يمكن من خلالها تحقيق المنشود. د. عبدالله جمعة الحاج