انتهكت إيران في أزمتها مع المملكة العربية السعودية القوانين والأعراف الدولية مرتين، الأولى حين تركت السلطات سفارة السعودية وقنصليتها بإيران تحرقا على مسمع ومرآى من قوات الأمن، وقبلها حين تصرفت طهران وكأنها الزعيم الأممي للطائفة الشيعية في العالم بأسره، وأن من حقها أن تتدخل في شؤون الدول دفاعاً عن هذه الطائفة، في كل الأوقات وكل المواقف، وبأي صيغة، حتى لو كانت جانحة وجارحة، وحتى لو أدى الأمر إلى اندلاع حرب مذهبية بين المسلمين، لا قدر الله، ليست لها أي فائدة ترجى لإيران والعرب، ولن يكون فيها رابح ولا خاسر، وستصب في نهاية المطاف في صالح كل من لا يريد بالأمتين العربية والإسلامية خيراً. إن مبنى سفارة أو قنصيلة أي دولة هو جزء من ترابها الوطني، هكذا ينص القانون الدولي ويقر، وبالتالي فإن ما أقدم عليه جمهور إيراني غاضب أو مُحرض، وتواطأت معه الحكومة هناك، هو بمنزلة الاعتداء على جزء من أرض السعودية، ولذا لم يكن أمام الرياض من خيار سوى الإقدام على خطوة قطع العلاقات مع طهران، بعد أن ثبت للسلطات السعودية أن نظيرتها الإيرانية لم تبذل أي جهد في سبيل منع هذا الاعتداء، بل على العكس تماماً، وجدت أدلة تشير إلى أن السلطات الإيرانية ربما حرّضت أو خططت للاعتداء، أو على الأقل تواطأت معه، وهي مسألة ظهرت ثلاثة أدلة عليها، أولها: صور لا تكذب تبين أن قوات الأمن الإيرانية كانت تتفرج، بل تساعد، في العدوان، ولا يمكن لعاقل أن يصدق الرواية الإيرانية التي تحدثت عن أن حادث الحريق هذا قامت به جماهير غاضبة، ولم يكن بوسع السلطات أن تمنعها مما أقدمت عليه. وثانيها قيام الحكومة الإيرانية بقطع الكهرباء عن الحي الذي يقطنه دبلوماسيون سعوديون، وكأنهم يقولون لهم: ارحلوا من بلدنا، وثالثها إطلاق إيران اسم رجل الدين الشيعي نمر النمر، الذي أعدم مع 46 شخصاً سنياً من التنظيمات المتطرفة والإرهابية، على شارعين قبالة السفارة السعودية في طهران والقنصلية في مشهد. لكل هذا كان من الطبيعي أن يدين مجلس الأمن الدولي حادث حرق السفارة والقنصلية، ويطالب إيران بــ "حماية المنشآت الدبلوماسية والقنصلية وطواقمها، والاحترام الكلي لالتزاماتها الدولية في هذا الخصوص، ووفق اتفاقيات فيينا التي تلزم الدول بحماية البعثات الدبلوماسية"?. ?فالمجلس ?يدرك ?تماماً ?أن ?ما ?جرى ?في ?إيران ?أمر ?جلل، ?ولا ?يمكن ?السكوت ?عليه، ?وأنه ?لا ?بد ?من ?تنبيه ?إيران ?وتذكيرها ?بأنها ?ملزمة ?بحماية ?ما ?على ?أراضيها ?من ?بعثات ?دبلوماسية، ?سواء ?الدبلوماسيين ?أنفسهم ?أو ?المباني ?والمنشآت. وليس من المتصور أن تكون إيران جاهلة بالقوانين التي تحكم العلاقات الدبلوماسية بين الدول، لكنها وجدت في واقعة إعدام النمر فرصة سانحة كي تقدم على خطوات انتقامية على خلفية التنافس الحاد والصراع السياسي الذي يدور معها في العراق، والحرب الأهلية في سوريا، والحرب النظامية في اليمن، وكلها بؤر عربية ملتهبة زادها التدخل الإيراني التهابا، وهو تدخل ينبع من غريزة توسعية على حساب بلدان ودول عربية مستقلة، عبر عنها أحد أرفع المسؤولين الإيرانيين بحديث مستفز عن هيمنة إيرانية على أربع عواصم عربية هي بغداد ودمشق وصنعاء وبيروت. لقد حث مجلس الأمن الدولة السعودية وإيران على «اعتماد الحوار واتخاذ إجراءات لتقليل التوتر في المنطقة»، فهل إيران فاعلة؟ وهل تعلمت الدرس جيداً من هذه الواقعة؟ وهل أدركت أنها قد انكشفت أمام العالم كله بأنها تستغل قضية «الشيعة العرب» في تفجير الأوضاع في دول عربية في وقت تضطهد فيه العرب داخل إيران من السُنة والشيعة معاً؟ أتمنى أن تكون الإجابة هي «نعم»، ففي هذا طريق السلامة.