الآن اتضح للجميع أن جوهر السياسة الإيرانية وبنيتها الأساسية هو اللعب بكل المواثيق والقوانين والأعراف والعهود والقيم الأخلاقية، لذلك لم أستغرب قيام المتظاهرين الإيرانيين، بأوامر من حكومتهم، باقتحام السفارة السعودية في طهران وإحراقها، لأن عنوان هذا النظام، منذ نشأته، هو ممارسة أفعال على هذه الشاكلة، كهدف رئيسي لثورة الملالي، إذ لا يوجد في قاموسه السياسي غير الغدر والتقية، وأقرب مثال على ذلك ما قاله الدكتور أبو منتصر عبدالرحيم البلوشي، زعيم أهل السُنة في إيران، في حواره مع صحيفة «المدينة» (13-11-2015): «كنت مرافقاً لأخي مولانا عبدالعزيز، زعيم أهل السُنة في إيران (في تلك الفترة)، للقاء الخميني في بداية الثورة الإيرانية لمناقشة حقوق أهل السُنة، فأعطونا بعض الحقوق في الدستور الإيراني، لكن بمجرد أن قويت شوكتهم نقضوا كل شيء، وبعد خمسة عشر عاماً من الثورة ذهب وفد من العلماء إلى رئيس المحكمة العليا في طهران، فقالوا له: أنتم في الدستور الإيراني كتبتم حقوقاً لأهل السُنة، قال: نعم، نحن كنا ضعافاً فعملنا بالتقية والآن لن نعمل بها». ما قامت به إيران هو محاولة بائسة للتغطية على ممارساتها في العراق وسوريا واليمن، وهي تريد من كل ذلك خلق حالة من الفوضى والفتنة داخل العالم الإسلامي. إيران لا يهمها إعدام شخص تمرد على دولته وخانها مع قوى خارجية، فهي تمارس الإعدام يومياً، وقد قتلت من علماء أهل السُنة عدداً كبيراً جداً. ونذكر هنا ما قاله الشيخ حافظ أشرفي، رئيس مجلس علماء باكستان، في حواره مع صحيفة «الشرق الأوسط» (18-12-2015): «إن إيران أسهمت خلال السنوات الماضية في قتل ثمانية آلاف عالم باكستاني»، وهي -حسب تقرير للأمم المتحدة- تتصدر دول العالم من حيث عدد حالات الإعدام، والكثير ممن أعدمتهم خضعوا لمحاكمات صورية انتهكت إيران خلالها كل القوانين الدولية الخاصة بالعقوبات. لذلك فإن طرد سفراء إيران من السعودية والبحرين والسودان وجيبوتي، واستدعاء سفراء الإمارات والكويت وقطر من طهران وتخفيض مستوى التمثيل الدبلوماسي معها، هو الرد الطبيعي الذي من المفترض أن تقوم به الدول العربية. لقد تحملت دول الخليج الكثير من دولة كان يفترض أن تكون جارة وليس عدوة، وحاولت مع كل حدث طوال عمر الثورة الإيرانية أن تثني هذا النظام، وبالتي هي أحسن، عن تصرفاته الجنونية وأن تعيده لصوابه، لكن للأسف ذهبت كل محاولاتها أدراج الرياح. الأمل الآن معقود على الاجتماع الاستثنائي لوزراء خارجية دول مجلس التعاون، والذي يتجه إلى تعليق الاتفاقيات الأمنية والعسكرية مع إيران، وكذلك الاجتماع الوزاري القادم لجامعة الدول العربية والذي يتجه هو الآخر إلى إقرار آليات جديدة للتعامل مع إيران وتدخلاتها المتكررة في الشؤون العربية. إيران، ومنذ قيام ثورة الخميني، وهي تعيش حالة من أوهام العظمة وأحلام الإمبراطورية الفارسية ومفهوم القوة الإقليمية التي تستطيع رسم خارطة جديدة للمنطقة عبر إثارة الحروب الطائفية وتعميق حالة الاستنفار المذهبي بين السُنة والشيعة، بهدف تغيير هيكلية السياسة الإقليمية لصالح أهداف ومخططات القوى الأجنبية والصهيونية. ولا توجد نقطة في العالم الإسلامي إلا وفيها موطئ قدم لإيران في حلف الإرهاب ودعمه وتزويده بالمال والسلاح. وعندما يحترق المتمردون تذهب هي بعيداً عنهم وتستخدم رمادهم لمصلحتها، بعد أن تدفن جثثهم في تراب أوطانهم التي باعوها من أجل إيران، فهل ينتبه أنصار إيران في العالم؟