لا يهدأ لإيران بالٌ دون أن تواصل اللعب بالنار وزعزعة أمن الشعوب وزرع الفتن في بلدان الجوار. ولأنها «لا ترى في الوجود شيئاً جميلاً» فإنها تحاول فرض رؤيتها المحدودة، ولو بالقوة، من أجل الثأر من التاريخ أو رفع «التأثيم» عن الذات حول حوادث مر عليها أكثر من 15 قرناً من الزمان. ورغم ذلك تحاول إيران الظهور بشكل «حمامة سلام»، وتتقمص شخصية المظلوم الذي عاداهُ الماضي ويعاديه الحاضر، لكن بأسلوب يناقض الشكل الحضاري لما ينبغي أن تكون عليه العلاقات بين الشعوب والدول. وهذا ما أوضحته أحداث بداية الأسبوع الماضي، باقتحام متظاهرين إيرانيين سفارة المملكة العربية السعودية في طهران وقنصليتها في مشهد، ما حدا بالمملكة لقطع علاقاتها الدبلوماسية مع إيران وترحيل البعثة الدبلوماسية الإيرانية خلال 48 ساعة من أراضي المملكة. قيام المملكة بقطع علاقاتها الدبلوماسية مع إيران أمر سيادي، حتّمته التوجهات العدائية الإيرانية حيال المملكة ودول الخليج العربية، إذ ما فتئت إيران تدسُّ أذرعها في الشؤون الداخلية لدول المنطقة بهدف خلق قلاقل وتنغيص حياة الناس في المجتمعات العربية المسالمة. ولإيران تاريخ حافل في صنع القلاقل في المنطقة، بدءاً من تصدير الثورة في الثمانينيات، مروراً بتدخلها في العراق، والحرب العراقية الإيرانية، وحتى تدخلها في لبنان واليمن وسوريا، وتحريضها أفراداً من السعودية والبحرين للقيام بأعمال عدائية ضد مواطنيهم ممن يختلفون معهم في المذهب. كل هذه الممارسات تتعارض مع المواثيق الدولية، وتُجرمها أعراف ومبادئ القانون الدولي. لذا، فإن الإجراءات التي اتخذتها المملكة العربية السعودية حيال إيران جاءت في الوقت المناسب، وربما سيكون من شأنها إعادة إيران إلى صوابها، بعد أن بدت طيلة الأشهر الماضية منتشية بالاتفاق النووي الذي وقعته مع الدول الكبرى. الإجراءات التي اتخذتها المملكة العربية السعودية بطرد البعثة الدبلوماسية الإيرانية من الرياض جاءت متسقة مع الأعراف الدولية، خصوصاً بعد فشل إيران في حماية البعثة الدبلوماسية السعودية على أراضيها. كما أن التطورات الأخيرة جاءت بعد ردود الفعل العنيفة والمتشنجة من قبل إيران بعد قيام المملكة العربية السعودي بتطبيق أحكام قضائية صدرت بحق مجموعة خارجة على القانون. وقد قوبل سعي المملكة العربية السعودية لبث الأمن والاستقرار في المنطقة بحملات إعلامية من فضائيات تتبع إيران، حيث خالفت تلك الفضائيات الأعراف الإعلامية المهنية، ومنظومة أخلاقيات الإعلام، بتبنيها أسلوب التهييج والترويج لمذهب معين، وسبِّ صحابة رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، والاستهزاء بالرموز الدينية السنية وبقادة دول المنطقة، كما أن إيران قابلت كل دعوات مجلس التعاون الخليجي لحل الخلافات معها بالطرق السلمية أو اللجوء إلى القضاء الدولي فيما يتعلق باحتلالها لجزر الإمارات الثلاث، وكذلك الدعوات المتكررة من مجلس التعاون لإرساء مبادئ حسن الجوار استناداً إلى العلاقات التاريخية والثقافية بين الطرفين ومبادئ الدين الإسلامي الحنيف الذي يربط بين دول المجلس وإيران. اعتقدنا بعد توقيع اتفاقيات جنيف حول الملف النووي الإيراني، ورفع الحصار الاقتصادي عن إيران تمهيداً لإدماجها في المجتمع الدولي، أن تسلك إيران مسلكاً حضارياً يؤهلها لذلك الإدماج، وتكف عن التهديد بالقوة، والتدخل في الشؤون الداخلية للدول الخليجية عبر التحريض الفئوي والطائفي الذي يهدد وحدة النسيج المجتمعي، بعد أن فعلت ما فعلت في العراق وسوريا ولبنان واليمن. أما اليوم فنعتقد أن ما قامت به المملكة العربية السعودية من إجراءات سيادية وقانونية لا يجوز الاعتراض عليه من أية جهة، خاصة من جانب إيران التي تقوم بإعدامات لا حصر لها بحق أبناء الشعب الأهوازي المظلوم، ولم يحدث أن احتجت أية دولة عربية على تلك الإعدامات، والتي كانت جريمة المغدورين فيها أنهم من السنة الذين يخالفون الحكم الثيوقراطي في طهران. هذا ناهيك عن الفرز الطائفي الذي يمارسه نظام طهران ضد الشعب الأهوازي، وطالما لم تتدخل أية دولة خليجية في تلك الإجراءات الإيرانية الداخلية، فعلى إيران أن تمارس النهج ذاته، ولا تُؤتي أي دَور ما ترفضه من الآخرين حيالها. ------------------ *أكاديمي وإعلامي قطري