تسارعت وتيرة الاحداث في المنطقة تصعيداً بعد أن نفّذت السعودية حكم القصاص في 47 شخصاً بينهم رجل الدين الشيعي «نمر باقر النمر»، تلاه إطلاق تصريحات نارية إيرانية، إذ قال المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي «إن السعودية ستواجه انتقاما إلهياً». وقال المتحدث باسم الخارجية الإيرانية حسن أنصاري إن السعودية «ستدفع ثمناً باهظاً»، فتحركت معها الحشود الغاضية لاقتحامِ وحرق سفارة المملكة في طهران وقنصليتها في مشهد لتتوسع دائرة الأزمة السياسية، بإعلان الرياض قطع العلاقات الدبلوماسية وسحب بعثاتها، وإمهال البعثة الدبلوماسية الإيرانية بالمملكة 48 ساعة لمغادرتها، وبالمثل فعلت كل من البحرين والسودان، كما خفضت الإمارات التمثيل الدبلوماسي، وسلمت الكويت مذكرة احتجاج رسمية للسفير الإيراني لديها، وتستمر تداعيات الأمر حيث ستنعقد السبت القادم اجتماعات مجلس وزراء خارجية دول مجلس التعاون الخليجي بالرياض، كما سينعقد الأحد القادم اجتماع طارئ بالجامعة العربية لمناقشة تداعيات الأزمة. لقد عملت إيران على توظيف ورقة «النمر» سياسياً فتبنت قضية الدفاع عن مواطن «سعودي» متجاوزة الأعراف الدبلوماسية في عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخري لتعكس نظرة النظام السياسي الإيراني الضيقة للطائفة الشيعية في الدول الخليجية تنفيذاً للمادة (154) من الدستور الإيراني التي تنص على أن «جمهورية إيران الإسلامية تقوم بدعم النضال المشروع للمستضعفين ضد المستكبرين في أية نقطة من العالم»، أي مشروعية التدخل في شؤون الدول الأخرى بنص دستوري صريح، فعملت الحكومة الإيرانية وعبر سنوات من التدخل في شؤون الدول الخليجية عبر المال السياسي أو الإعلام الطائفي أو التشيع الثقافي وتعامل النظام الإيراني مع المكون الشيعي الخليجي كامتداد جغرافي لها في قلب الأنظمة الخليجية بحيث أصبح تهديداً حقيقيا للتماسك المجتمعي والاستقرار السياسي، فتأثيرات التدخلات الإيرانية في دولة البحرين، على سبيل المثال انعكست على الاستقرار الداخلي، وامتدت لبؤر التوتر الشيعية في دول الخليج الأخرى خاصة في المنطقة الشرقية من السعودية. وعودة للجانب السعودي فقد مارست السعودية حقاً مشروعاً في اتهام ومحاكمة مواطن سعودي بتهم تتعلق بالإرهاب والتحريض على الانفصال، فالنمر طالما انتقد الحكومة السعودية، واعتلى منبر الجمعة ليحرض مريديه على الحكومة السعودية داعياً الشيعة «للجهاد» والانفصال، وشارك في أعمال العنف خلال حركة الاحتجاجات التي اندلعت في عام 2011، وألقت السلطات السعودية القبض على النمر في يوليو 2012، وصدر بحقه حكم بالإعدام في عام 2014 بتهمة الإرهاب والفتنة وعصيان ولي الأمر وحمل الأسلحة. ومنذ أن أدين وأصدرت المحكمة الجزائية حكمها أصبح النمر (قضية إيرانية)، وورقة في يد السياسيين الإيرانيين لتحريك الجموع داخلياً وخارجياً، وللتدخل في الشأن السعودي الداخلي. لم يكن رد الفعل الإيراني مفاجئاً للمتابع للشأن الإيراني، ولم يكن حرق السفارة السعودية والقنصلية، فعلاً منفصلاً عن سياق التصعيد والتأزيم ومحاولة تصدير الأزمات السياسية الإيرانية الداخلية، وتوظيف الحدث خدمة لأجندات سياسية إيرانية داخلية. ورغم مرور «النمر» بدرجات التقاضي والمحاكمة في المحاكم السعودية، المختلفة إلا أن طهران أشعلت الإعلام بالتباكي على الإعدام. ونظرة على سجل إيران الحقوقي كافية لمعرفة الأجندة الإيرانية، إذ ذكرت منظمة العفو الدولية في تقرير سابق أن السلطات الإيرانية نفذت حكم الإعدام بحق عدد مذهل من الأشخاص يبلغ 694 شخصاً بين 1 يناير و15 يوليو 2015، في ارتفاع غير مسبوق لعدد عمليات الإعدام في البلاد وهو ما يعادل إعدام أكثر من ثلاثة أشخاص يومياً حسب المنظمة. «ومن بين الذين أعدموا في إيران أيضاً أفراد من الأقليات العرقية والدينية أدينوا «بمحاربة الله» و«الفساد في الأرض» بمن في ذلك «السجناء السياسيون الأكراد والسنة». وتقول منظمة العفو إن السلطات الإيرانية تقر كل عام عدداً معيناً من الإعدامات القضائية. ومع ذلك، يتم إجراء أعداد أكثر من عمليات الإعدام خارج نطاق القضاء ولكنها لا تقر بها. حولت طهران ملف قضية «النمر» إلي ورقة يُزايد عليها النظام الإيراني بالتصريحات والتهديدات، ويحرك المجاميع الشيعية داخل إيران وخارجها مستخدماً قضية «النمر» كورقة ضغط علي الحكومة السعودية، وكقضية (عبر وطنية) للشيعة تبنتها الأقليات الشيعية في الدول الخليجية والعربية والجاليات الشيعية في الدول الأجنبية، وأظهرت ردود الافعال بعد تنفيذ الحكم حجم التمايز الطائفي في المنطقة، إذ اصطف العراق وجماعات شيعية بالمنطقة مع إيران في إبداء مواقف تصعيدية ضد الرياض، عبر تصريحات نارية وتظاهرات أوضحت الشكل الفاقع للخارطة الطائفية التي سعت إيران بسياساتها الطائفية وتدخلاتها في المنطقة العربية إلى رسمها، متجاهلة حقيقة أن قضية «النمر» في المحصلة هي شأن داخلي سعودي. على الدوام تعاملت الحكومة السعودية بحكمة مع عوامل التهديد الداخلية والخارجية، ولكن كان التأزيم حتمياً بفعل كل الملفات المشتعلة في المنطقة. وقد عرّت أزمة التصعيد بعض الأنظمة، وبدا خط الاصطفاف والتمايز واضحاً، ولم تعد المهادنة السياسة مقبولة، وأصبح التصعيد حكمة سياسية خليجية في وجه «الاستكبار» الإيراني. وسقطت الرهانات الإيرانية على تردد السياسة الخليجية والعربية تجاه التدخلات الإيرانية في المنطقة العربية. اليوم تحاول طهران اللعب علي نغمة التهدئة، بينما تتجه دول الخليج لإعادة رسم الأدوار في المنطقة بعد أن أصبحت خطوط التماس واضحة والتدخلات الإيرانية في المنطقة العربية تحت أي عنوان كان غير مقبولة. وتمكنت الدول الخليجية من توصيل رسالة محددة لإيران بأن أمن المنظومة الخليجية خط أحمر. وأخيراً. فإن تأزيم العلاقة بين المكون الشيعي في المجتمعات الخليجية والتشكيك في ولاء الشيعة لايخدم الوحدة الوطنية، ولايخدم الشيعة كطائفة، وكمكون رئيسي من مكونات المجتمعات الخليجية، إذ يقول الإمام الشيخ محمد مهدي شمس الدين في وصاياه إلى عموم الشيعة في مختلف الأوطان: (أوصي أبنائي إخواني الشيعة الإمامية في كل وطن من أوطانهم، وفي كل مجتمع من مجتمعاتهم، أن يدمجوا أنفسهم في أقوامهم وفي مجتمعاتهم وفي أوطانهم، وألا يميزوا أنفسهم بأي تميز خاص، وألا يخترعوا لأنفسهم مشروعاً خاصاً يميزهم عن غيرهم، لأن المبدأ الأساس في الإسلام وهو المبدأ الذي أقره أهل البيت المعصومون عليهم السلام هو وحدة الأمة، التي تلازم وحدة المصلحة، ووحدة الأمة تقتضي الاندماج وعدم التمايز. وأوصيهم بألاً ينجروا وألاً يندفعوا وراء كل دعوةٍ تريد أن تميزهم تحت أي ستار من العناوين، من قبيل إنصافهم ورفع الظلامة عنهم، ومن قبيل كونهم أقلية من الأقليات لها حقوق غير تلك الحقوق التي تتمتع بها سائر الأقليات). كاتبة إماراتية