يصر الرئيس اليمني السابق علي عبد الله صالح، منذ الانقلاب الحوثي في عام 2014، على الاستمرار في تدمير صورته في تاريخ اليمن. قبل الانقلاب كان من الممكن تفسير تصرفاته المراوغة على أنها محاولات يائسة للبقاء في الساحة السياسية اليمنية التي سادها طيلة ما يربو على ثلث القرن حقق فيه من الإنجازات ما يحسب له، ثم بدأت أعراض المكوث الطويل في السلطة تظهر عليه، فأخذ يؤتي من التصرفات ما قلب هذه الإنجازات رأساً على عقب، فبعد أن استهل حكمه في عام 1978 بتوحيد القوى السياسية في الشمال اليمني، انتهى واليمن ممزقة شر ممزق بسبب إخفاقه في بناء دولة ديمقراطية حديثة، وبعد أن سجل له التاريخ نجاحه في توحيد اليمن في 1990 والدفاع عن وحدته في 1994، إذا به يشرع في سياسات من شأنها استتباع الجنوب ويمعن فيها حتى تطورت الحركة المطلبية في الجنوب إلى حركة انفصالية، ولهذا كان نظامه ثالث نظام تعبث به موجات «الربيع العربي»، ولم يُسلِّم، عكس حاكمي تونس ومصر، برغبة شعبه إلا بعد أن أنهك اليمن، ومع ذلك فقد رفض اعتزال السياسة أملاً في العودة إلى السلطة إلى حد تحالفه مع الحوثيين أعداء الأمس القريب حتى ولو كان الثمن هو تدمير الوطن واستتباعه للمشروع الإيراني. خرج علينا صالح في 27 ديسمبر الماضي بتصريحات عجيبة تشير إلى التخلي التام عن العقل والمنطق ناهيك بالمصلحة الوطنية، فقد أعلن رفضه المشاركة في جولة المحادثات الجديدة التي حددت الأمم المتحدة توقيتها بمنتصف هذا الشهر، وهاجم الرئيس هادي ووصفه وأعضاء حكومته بالمرتزقة، لذلك قال إن «الحوار المقبل سيكون بيننا وبين السعودية وجهاً لوجه»! والأعجب أنه أدخل روسيا تحديداً مع الأمم المتحدة في رعاية الحوار، أما الأشد عجباً فهو قوله بأن معركته «لم تبدأ بعد» لكنه «مجبر على خوضها الآن إذا لم يختر السعوديون وحلفاؤهم السلم»! وثمة ملاحظات عديدة على هذه التصريحات، أولها محاولته الواضحة تحقير خصومه ودق إسفين بينهم وبين السعودية، بإعلانه أنه لن يتفاوض سوى معها طالما أنه يعتبر قوى الشرعية اليمنية مجرد مرتزقة يأتمرون بأمرها! وهو ينسى أو يتناسى أن السعودية والإمارات وكافة دول الخليج قد خبرته جيداً ولا يمكن أن تلدغ منه مرة أخرى، أما الملاحظة الثانية فتتعلق بمحاولته الزج بروسيا في جهود تسوية الصراع اليمني، وكأنه يحاول تكرار نموذج التدخل الروسي في الصراع السوري لمصلحة الأسد، فهل بلغت به السذاجة حد عدم إدراك الفارق بين الصراعين، ففي الحالة السورية تدافع روسيا بتدخلها عن مصالح استراتيجية مهمة لها موجودة بالفعل في سوريا، أما في اليمن، ورغم أهميته الاستراتيجية، فإن روسيا لا تتمتع بميزات استراتيجية فعلية تبرر المخاطرة بالتدخل هناك، كما أنه يمكن لروسيا القول بأنها تدخلت في سوريا لمصلحة رئيس «شرعي»، أما صالح فلا يتمتع بذرة شرعية تبرر أن تلقي بثقلها في كفته. وكان صالح قد التقى السفير الروسي في صنعاء قبل الإدلاء بتصريحاته العجيبة، ولعله يكون قد أعرب عن استعداد بلاده للمساهمة في جهود التسوية، فخرج صالح بتصريحه الذي خص فيه روسيا وحدها بالمشاركة في هذه الجهود. ولنتخيل مشهد مفاوضات تكون أطرافها الأمم المتحدة وروسيا والسعودية وصالح فقط. ويضاف إلى ذلك توهمه بأن روسيا يمكن أن تنحاز إليه وتضحي بأطراف مهمة! وأخيراً فإن تهديده بأن المعركة لم تبدأ بعد هو الأشد عجباً، وكأن ما يزيد على تسعة شهور من القتال لم تقوض قوته، وكأنه يملك في جعبته من الأسلحة الفتاكة ما يحقق به نقلة نوعية في القتال. يتخيل صالح أن مناوراته التي أبقته على رأس اليمن أكثر من ثلث القرن مازال بمقدورها أن تمد في عمره السياسي، وهو لا يدري أن هذه المناورات وإن نجحت طيلة تلك المدة قد فقدت مقومات بقائها وأولها مصلحة الوطن ورشادة التفكير.