رجال المرحلة والمراحل المقبلة في التاريخ الغابر والمعاصر قلة نادرة، وهم كالقلادة، تتداول الأجيال سيرهم الطوال بالإنجازات وتحقيق الآمال العراض والأقوال المرسلة بالفعال الفاعلة. سماه صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، «رجل الحكم والحكمة» وسموه سليل حكيم العرب زايد، يدرك سبر الرجال. اليوم الرابع من يناير 2016 يلفنا جميعاً عَقْد عِقْد صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله. هذا اليوم ليس كبقية الأيام، فأبو راشد تتقطَّر من بين يديه و«من خلفه» حكمة مؤسسي الدولة الرشيدة راشد وزايد رحمهما الله وأسكنهما فسيح جناته، فلم يمتْ من خلّف هذه الكواكب المنيرة لدرب الاتحاد منذ الوهلة الأولى وإلى النهضة الكبرى. بو راشد، الذي سبق زمانه الزمن الذي نعيش فيه، كان طالباً في «سانت هيرس» ويُسأل عن أمانيه ورؤاه فيجيب بكل عفوية: أريد أن أرى دبي مثل لندن بل هي أفضل، وعندما سُئل بعد ذلك بسنوات من قبل بعض الطلبة الذين التقى بهم في جولاته العملية والميدانية سؤالا شبيها بما سئل عنه قبل عقود، رد سموه واثقاً بأنهم- أي الطلبة- المستقبل الأفضل. هذا الرجل، الحاكم الحكيم بطبعه وكسبه، علّمنا القيادة كيف تبني، وكيف تقود إلى العلا في المعاني قبل المباني، وهو من غرس فينا حب المستحيل لقهره وإزالته من الطرق التي تبدو للبعض وعرة وفي نظره سالكة، لأنه لم يؤمن يوماً بالاستحالة التي أحالها إلى التقاعد منذ عقود مضت، ولن تعود أبداً ما دامت الريادة لم تفارق عينيه. يريد من شعبه أن يلغي من قاموسه «ما أقدر» «لا أستطيع» «لا يمكن»، لا يحب أن يجد فرداً من شعبه يردد عبارة «هذا حدي أو طاقتي أو قدرتي» لأن سموه، بنظرة القائد الثاقبة، يرى في ذلك عين الفشل وقمة اليأس، المرفوض من قبل هذا الملهم في ذاته وصفاته المؤهلة، والمؤمن بالتطوير الدائم عبر الجهد المتواصل. عندما قفزت دبي من أمام العالم إلى الأمام في كافة مشاريعها المستدامة، ظن البعض المتخاذل أنه «متسرع» في سياسته، ولم يدركوا أنه يؤمن بأن «المجازفة» المحسوبة جزء لصيق من عمق رؤيته الواضحة، وإنْ كانت في عيون الآخرين غامضة، لأنهم يرون بعين الأعشى، وليس المتنبي الذي اشتهر بمقولة «تعلم ألا تندم». أعد الكاميرا بكل تفاصيل صور عشر سنواتٍ مرت إلى الخلف وبسرعة فائقة وانظر اليوم إلى تلك الصور الرائعة من قبل، تُرى هل هناك وجه مقارنة أو شبه بعِقد مضى على حكمه في أي مشروع أخذ من حكمة العمل من أجله ومن أفضل أوقاته، ما جعل العالم المتقدم يشهد على أن هذا الرجل الفذ، فريد في كل ما خطت يداه على الأرض، وغرس بذور فكر في البحر، فأثمرت ما يراه الجميع وجهاً آخر لدبي أخرى، لم تخطر على بال من عاشوا فيها قبل عشرة أعوام. لا ننسى، بل ينبغي أن نتذكر دائماً، أن (بو راشد) لم يبدأ من جديد، بل أخذ آخر ما توصل إليه القادة المؤسسون وبنى عليه ما أدهش العالم من حولنا، لأنه مضى في طريق أصالة بين الأولين ليكمل المسيرة المحلية وليشبك طريق الاتحاد بحكومة ذكية مليئة بالإنسانية. ويسعى سموه لأن يجعل من الإمارات عاصمة الإنسانية، يشهد عليها كل البشر بأننا أهلٌ لذلك منذ الأزل. هذا ما فعله محمد بن راشد الذي يحمل اسم أشرف البشر، فهو يخدم بالإنسانية السمحة دينه، وبالولاء الخالص وطنه، وبالوفاء التام قيادته وشعبه، وهو الذي أرسى دعائم هذه الدولة الرشيدة بمبادئ القيادة الواعية لمصلحة المواطن أولاً وأولاً وأولاً. هو عاشق للأُول منذ الأول، ويحب أن يصبح شعب الإمارات دائماً في سباق متواصل مع الأوائل في شعوب الأرض. ومن هذا طموحه ومناه وغايته، فهل يهنأ له بال أو يقر له قرار حتى يرى نور السعادة يسعى بين يدي شعبه في كل مجال.. هذا هو بو راشد الحق والحقيقة التي تمشي على أرضنا بكل فخار.