مع سيطرة احتلال التحالف الحالي للعراق على الأخبار والتقارير الصحفية، علينا ألا ننسى أننا كنا منذ نحو عشرين عاما قد شهدنا أسوأ هزيمة عسكرية مهينة منذ حادثة الاعتداء علي ميناء بيرل هاربر في وقت مبكر من صبيحة الثالث عشر من أكتوبر عام ·1983 وقتها كانت قد اقتحمت مبنى القيادة العامة لقوات المارينز الأميركية في مطار بيروت الدولي شاحنة معبأة بستة أطنان من المتفجرات، فراح ضحية ذلك الهجوم241 جنديا أميركيا· وكنت أنا من بين من ساهموا في حفر الأنقاض وإخراج جثثهم من تحتها وقتها كنت ضابطا في سلاح البحرية، في السادسة والعشرين من العمر، وكنت أعمل ضابطا تنفيذيا على رأس فصيل عسكري من سلاح البحرية الأميركي مؤلف من 1500 جندي·وكنا نعمل ضمن قوات حفظ السلام الدولية في بيروت إلى جانب قوات إنجليزية وفرنسية وإيطالية· كانت تتعلق مهمتنا بتوفير الأمن والاستقرار لدولة مزقتها الحرب الأهلية الطاحنة، والتدخلات السورية·
أما بالنسبة للعالم العربي، فقد كان النظر إلى ذلك التدخل الدولي شيئا شبيها بالتوغلات الإسرائيلية في أراضي جنوب لبنان· ويظل مثل هذا الاختلاف في النظر للأمور على درجة من الخطورة دائما· المهم أن ذلك الحادث المروع قد نجا منه الكثير من أفراد القوة الأميركية بأعجوبة وببضعة كيلومترات فحسب، فصلت بينهم وذلك الانفجار الدموي، ومن بينهم شخصي·
وبعده مرت أيام وأيام لم نكن فيها قادرين حتى على التعبير عن الحزن من شدة وطأة الفاجعة وهولها· وكان علينا أن نصمد عدة أيام قبل أن تصلنا أية تعزيزات عسكرية من المناطق البعيدة عن مكان الانفجار· فقد كان العدو يفوقنا عددا بحوالى خمس إلى أربع مرات· ولولا رباطة جأش المقاتلين وثباتهم أمام وابل رصاص المدفعية الثقيلة الذي أحاطنا من الجبال المحيطة من كل جانب، وإدراك الجنود بأنه لا خيار آخر لهم سوى الدفاع عن أنفسهم حتى الرمق الأخير أو الموت، لما تبقى واحد منا· وحين جاءت التعزيزات العسكرية أخــــيرا مــــن معسكر ليجون -كاليفورنيا الشمالية - بعد مضي يومين كاملين على ذلك الحصار، أقمنا يوم شكر شبيهاً بذلك الذي أقيم للناجين من هجمات الحادي عشر من سبتمبر ·2001 إيجازا يمكن القول إن الهجوم على قوات المارينز في مطار بيروت وما تلاه من حصار على القوات الأميركية، كان من أنجح وأدق العمليات الإرهابية التي نفذت ضدنا·
أما النتيجة التي أسفرت عنها تلك الهجمات فهي سحب قوات السلام الدولية، وترك اللبنانيين يواجهون مصيرهم بمفردهم· يذكر أن لبنان قد أمضى عقدين من الزمان في جحيم المعاناة وغياب القانون والتمزق الطائفي والخضوع للاحتلال السوري، علاوة على كونه قاعدة تنطلق منها عمليات حزب الله·
وبعد عشرين عاما من تلك الأحداث، أظن أن العالم اليوم سينظر إلى وجودنا في العراق، النظرة ذاتها التي رأى بها مهمتنا السابقة في بيروت· فمنذ أن أعلن الرئيس بوش عن انتهاء العمليات العسكرية في العراق في مايو الماضي، لقي أكثر من مئة جندي أميركي مصرعهم· فلا يمر يوم واحد إلا ويقتل أحدهم إما في كمين عسكري، أو ببندقية أحد القناصين، أو في انفجار قنبلة في مكان ما· هذا هو ما يعرف في القاموس العسكري باسم المضايقة وهي عبارة عن منغصات عسكرية صغيرة ومتواصلة يطلق عليها القائد العسكري كلاوزيفيتز تسمية احتكاك الحرب· غير أن الواضح أن العمليات العسكرية الجارية الآن في العراق قد أفادت وتعلمت الكثير من دروس العمل الإرهابي السابق ضد القوات الدولية في لبنان· فالجنود الأميركيون الموجودون في العراق يسكنون في مجموعات صغيرة، فضلا عن الحماية المشددة المضروبة حول المناطق والمجمعات السكنية التي يعيشون فيها· ومع ذلك فإنه لا يخفى على أي من الجنود الموجودين في العراق أنه يصعب فرض ضمانات مطلقة لعدم تعرضه لهجوم مباغت من قبل أحد العراقيين العازمين على الموت تحت كل الأحوال والظروف·
وفي بغداد تعلمت قوات التحالف الدرس القائل إنه من السهل جدا عليك خوض الحروب، مقارنة بمشقة وصعوبة بناء الأمم· أما في أميركا فما أكثر الأصوات التي ارتفعت مرددة أن عملية إعمار العراق باهظة من الناحيتين المادية والبشرية وأنه من الصعب مواصلتها وإكمالها· ولكن فيما لو أجبرنا على الخروج من العراق، فإن علينا أن نتأكد من أن الاستبداد سيجد طريقه على نحو ما لملء الفراغ السياسي الذي سوف نخلفه وراءنا في بغداد·
تشك فارار
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مؤلف كتاب روح المقاتل
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ينشر بترتيب خاص مع خدمة نيويورك تاي