«ذِكرُ الصَفا في وقت الجَفا صَفا» يقول المثل الموريتاني. وذِكرُ «الصفا» جاء به واحد من 22 بحثاً ناقشتها ندوة «مستقبل التغيير في الوطن العربي» التي اختتمت أعمالها الأسبوع الماضي في بيروت. أعَدّ البحث الأكاديمي والسفير المغربي «محمد الأخصاصي»، وعنوانه «الإصلاحات في المغرب: الحصيلة والمستقبل». ويتابع البحث، الذي يختلف لغة ومضموناً ومفاهيماً عن سياق تغيرات الربيع العربي العاصفة والشاملة، المسار الإصلاحي التدرجي للوضع المغربي وتراكميته، ويرصد مُدخلات الإصلاحات السياسية والمؤسساتية والحقوقية المعقدة. ويقف الباحث على مسافة من الحدين القصويين في مقاربة التقييم الجاري للوضع، وهما حدا التدنيس والتمجيد، وينفردُ بعرض الأوضاع المالية والاقتصادية للبلاد، وانعكاسات الأزمة المالية والاقتصادية العالمية منذ عام 2008 على مقومات وأداء الاقتصاد المغربي. وكما يقول المثل المغربي «اللي بغى العسل يصبر لعض النحل». وابتغت العسل المؤسسة الملكية المغربية التي أدركت بشكل مبكر مخاطر تحوّل حركة «الربيع العربي» إلى ظاهرة تصدع وتفكك النسيج المجتمعي برمته، لكنها لم تناهض أو تطارد فعاليات التظاهر والاحتجاج والمنازعة، بل التزمت موقف المصاحبة والمرافقة، واستعادت زمام المبادرة عبر تفعيل المنهجية الاستباقية في مجال الإصلاح السياسي والدستوري. وأعلن العاهل المغربي عن مراجعة عميقة للدستور، شكّلت انعطافة حاسمة في تجربة الانتقال الديمقراطي بالمغرب. وخصوصية «اللغة» المغربية من خصوصية الوضع المغربي، وكلاهما (اللغة والوضع) يلخصهما الهامش التالي في البحث: «انتهج الفكر الإصلاحي بالمغرب، منذ منتصف القرن التاسع عشر، سبيلاً وسطياً ما بين التقليداتية، والسلطانية، باعتبارها إطاراً سياسياً للأصالة الإسلامية، والتحديثية الانتقائية التي تنشد استدماج الحداثة العسكرية والتنظيمية التي يجسدها النموذج المغربي، وباعتبارها السبيل الأقوم لمقاومة ضغوط الغرب واتقاء شر هيمنة وبلاء احتلاله». وأياً كان «الربيع العربي»، فالإصلاح المغربي انطلق من «حركة 20 فبراير 2011» التي ضمّت مكوِنَين سياسيين راديكاليين متناقضين؛ الراديكالي الماركسي، والراديكالي الإسلامي الذي تمثله «جماعة العدل والإحسان». ولاحظ الرئيس التونسي السابق المنصف المرزوقي «أن الوحيد الذي التقط اللحظة التاريخية، وفهم ضرورة التعامل مع منعطف حاسم، هو محمد السادس، والدليل على ذلك هو الدستور الجديد، والانتخابات التي أعقبته، وهذا هو الذكاء السياسي الذي يؤدي إلى إصلاحات تمنع انفجار البركان». واللافت أن بحث سفير المملكة المغربية التي تربطها والغرب علاقات ومصالح وطيدة، يشدد على «ضرورة حماية أصالة الكيان الوطني من مخاطر المد الغربي الاستعماري المتلاطم». وقد يعود ذلك إلى ما يعتبره الباحث المغربي عبد الإله بلقزيز «تطور الدولة في منطقة المغرب العربي يبدو بسبب خصوصية معطياتها التاريخية مختلفاً عن مصائر الوطن في المشرق». ومفارقة الندوة التي نظمها «مركز دراسات الوحدة العربية» أن «الوطنية» وليس «القومية» ولا «الدين» هي مرجعية «الربيع العربي»، والتي أثارت عاصفة تصفيق، عندما سأل الزعيم الوطني العراقي الشيخ جواد الخالصي رئيس الوزراء الليبي السابق محمود جبريل ما إذا كان «الناتو» الذي طلب منه زعماء الثورة الليبية المساعدة «الصديق الذي ينقذنا، أم العدو الذي يمزقنا؟». *مستشار في العلوم والتكنولوجيا