يروى أن نمراً كان يستوقف أي ثعلب يراه ويصفعه، فيسأله الثعلب عن السبب، فيقول: لأنك لا تضع قبعة على رأسك! وبقيت الثعالب تتلقى الصفعات إلى أن ذهبت يوماً إلى الأسد وقالت له إنه لم يعد ملكاً للغابة، فغضب الأسد وهمّ بالانقضاض عليها، فأسرعت الثعالب في رواية قصتها مع النمر، وحين انتهت قالت: هل يرضيك هذا يا ملك البراري؟! هدأ الأسد ووعد الثعالب بأن يسوّي الأمر مع النمر. استدعى الأسد النمر وقال له إنه ليس ثمة قانون يفرض ارتداء الثعالب للقبعات، وأنه لا يحق له الخروج على النظام، فضحك النمر وقال إنه يكره الثعالب ويحسدها، فهي خفيفة الحركة، وذكية ماكرة، والحيوانات تحبها وتلعب معها، وأن قصة القبعات مجرد حجة ليضربها، فأطرق الأسد مفكّراً- وكان يحب النمر كثيراً- ثم قال له: إن كان لابد من ضرب الثعالب، فاطلب من أي ثعلب تراه أن يحضر لك تفاحة، فإذا أحضرها حمراء، فاصفعه وقل له إنك كنت تريدها خضراء، فإذا أحضرها خضراء، فاصفعه وقل له إنك كنت تريدها حمراء. وفي اليوم التالي استوقف النمر أحد الثعالب كالعادة وأمره بأن يحضر له تفاحة، ففكّر الثعلب لحظة ثم سأل: تريدها تفاحة حمراء أم خضراء؟ فصفعه النمر على وجهه فوراً، فقال له الثعلب محتجاً: لم تصفعني؟! فقال النمر: لأنك لا تضع قبعة على رأسك! ومثل النمر الذي يبحث عن أي سبب ليضرب الثعالب ويشفي غليله منها، لأنه فاشل والثعالب ناجحة، يفعل الإرهابي الذي يكره فشله، ويكره نجاح غيره. ولا أعني النجاح أو الفشل على الصعيد الشخصي، وإنما النجاح أو الفشل الحضاري، والذي يؤثر حتى على الناجح في أمة من الفاشلين، إذ كثير من كبار الإرهابيين لم يكونوا فاشلين في حياتهم الخاصة. فهذا الإرهابي يعاني مشكلة مع نفسه، ومشكلته مع الآخرين تحصيل حاصل أو عرض لمرضه هو، ومن ثم فإن الحديث حول دوافعه في الأعمال الإرهابية التي يقدم عليها مضيعة للوقت، وتشتيت للذهن، وصرف للأنظار عن حقيقة مرضه، إذ ليس هناك إلا دافع واحد، لكنه يلقي بهذا الدافع في الخلف ويصنع لنفسه، وللآخرين، سرجاً من الدوافع على مقاس الشياطين التي تقوده إلى حتفه وقتل الأبرياء معه. ليس ثمة أمة لم ترتكب الأخطاء، وليس هناك شعب بريء الساحة تماماً، وليست هناك حكومة من الملائكة، والإرهابي المريض لا يشكو من أي نقص في قائمته الطويلة لأخطاء الأمم والشعوب والحكومات، ويستطيع أن يأتي بأي خطأ، ولو من الماضي السحيق، ليبرر فعلته. ومثل الأسد المتذاكي، يفعل المتعاطفون مع الإرهابيين، فإذا سقطت حجة القبعات، قدموا بين يدي الناس حجة التفاح، فإذا حاصرتهم في ذلك، عادوا إلى القبعات، ولعل ما حدث في فرنسا قبل أيام خير دليل على تذاكي هؤلاء، إذ وجدوا أنفسهم في ورطة، فكيف يبررون العمليات الإرهابية التي طالت الفرنسيين على يد زملائهم «الدواعش» في حين أن فرنسا من أكثر الدول الأوروبية تعاطفاً وتفهماً لقضايا العرب والمسلمين؟! كالعادة، أطرقوا كالأسد، ثم قالوا: ألم ترتكب فرنسا المجازر في الجزائر أثناء احتلالها قبل أكثر من نصف قرن؟!