قد تسود الخطاب الإعلامي والسياسي أحياناً أفعل التفضيل. فكل شيء هو أعظم وأفخم وأكبر. فالشعب أكثر الشعوب حباً لبلاده. وتاريخه أعظم تاريخ من تواريخ الأمم. وزراعته من أفضل الزراعات في العالم. وصناعته من أحسن الصناعات. وجامعاته من أعلى الجامعات في مستوى العلم والبحث العلمي. وهواؤه أنقى هواء. وماؤه أصفى ماء. وإيمانه أقوى إيمان. وقد ينتقل هذا التفضيل إلى الخطاب السياسي. وفي أفعل التفضيل قد يغيب العقل النقدي الذي يبيّن المسافة بين ما ينبغي أن يكون وما هو كائن، بين المثال والواقع. وهو أساس التقدم، والانتقال من النقص إلى الكمال. النقد هو أساس التحسين. والمنهج النقدي له إنجازاته في فهم النصوص الأدبية والقانونية والتاريخية. وفي غياب العقل النقدي يحضر العقل التبريري الذي يبرهن على صحة المقدمات التي يُعرف صحتها من قبل. وهو العقل المستخدم في تبرير النظم والظواهر وقد يخفي أخطاءها. ويبرر صحة المعتقدات حتى تعددت المذاهب والأديان وتفرقت بل وتخاصمت وحاربت بعضها بعضاً. كل يدعي أنه أصدق وأصح وأفضل وأعظم وأكمل من الآخر. وتعلو الأصوات. وتتعدد البرامج والاعتقادات التي تثير النفوس، الاعتزاز بالنفس والوقوف ضد الآخر. واللجوء إلى أفعل التفضيل قد يعبر عن العجز عن التعامل مع الواقع كما هو وتغييره. فيتم الهروب منه واللجوء إلى ما بعد الواقع، إلى القوى الميتافيزيقية المتصور أنها متحكمة فيه. ويحدث ذلك نتيجة للجهل بالأسباب التي جعلت الواقع على ما هو عليه، نقصاً بمعرفته، والقدرة على تغييره. فتتم تغطية الموقف كله بالخطابة والبلاغة والصور الفنية وكل أنواع الإنشائيات والقصص والروايات الخيالية ومنها أفعل التفضيل. وهو ما قد يجذب الانتباه. ويثير الإعجاب. بل إن الذات تتضخم كلما زاد استعمال أفعل التفضيل. والإعجاب بالذات على غير أساس. وقد تسير أفعل التفضيل على نحو عكسي، من أفضل إلى أسوأ، ومن أكثر إلى أقل، ومن أمهر إلى أضعف، ومن الأكثر استعداداً إلى الأقل. فنحن الأقل قدرة على التعامل مع العلم، والأضعف ذهناً للإبداع العقلي، والأقل حضوراً في التاريخ الحضاري! وأفعل التفضيل المفرطة والمبالغة تعطينا إحساساً بالرضا، والاستكانة وعدم الحاجة إلى شيء أفضل ما دمنا حصلنا على الأفضل والأعظم والأكبر. ويحدث تساؤل لاشعوري عن الخلاف بين القول والواقع. فكيف نكون أفضل والقمامة تملأ الشوارع ولا نعرف كيف نجمعها. ونستعين بشركات أجنبية تعلمنا ذلك، وديننا يقوم على الطهارة. وهي أكبر جزء في كتب الفقه القديم. وتصبح أفعل التفضيل نوعاً من الدعاية التي تقوم على المغالاة والحكم بأن هذا المنتج الأفضل والأحسن والأجمل والأرخص والأمتن والأجود والأعظم وأفضل ما أنتجه البشر على وجه الأرض. وقد يتحول الإعلان إلى كذب صريح. ولا يتناول الإعلام الأقل. ويخفي النقص. ويساهم في سلوك النفاق التجاري. ويشيع خداع النفس وخداع الآخرين. وفي لحظة ما قد ينكشف المستور. ويظهر المخبأ بثورة الواقع ضد الإعلام غير المهني. ويسد أذنيه في مواجهة أفعل التفضيل المتكرر. ويكتشف أن الأقوى هو الأضعف، وأن الأجمل هو الأقبح، وأن الأحسن هو الأسوأ، وأن الأكبر هو الأصغر. وتزاح التعمية من على العيون ضد ما تسمعه الآذان. ونعود من جديد إلى التفرقة بين ما هو كائن وما ينبغي أن يكون حتى يتم التقدم من الواقع إلى المثال، ومن حكم القيمة إلى حكم الواقع. وبيان النقص ليس عيباً. وهي بداية الوصول إلى الكمال، أو على الأقل اكتشاف أوجه القصور وسد ثغراتها. نهاية أفعل التفضيل هي نهاية المبالغات، ووضع حد للزيف، وعدم الإحساس بالقلق إن لم يعتمد الخطاب الإعلامي والسياسي والديني على أفعل التفضيل. إن وجود أفعل التفضيل في اللغة لمقارنة شيء بمثله وليس لتعظيم شيء على حساب الأشياء الأخرى. وحتى ولو كان صحيحاً الأفضل والأعظم والأكبر فإنه قد يؤدي إلى الغرور بالذات والتعالي على الآخرين ثم استغلالهم. فالأعلى أفضل من الأدنى، والأكبر أعظم من الأصغر. والإنسان لم يخرق الأرض ولم يبلغ الجبال طولًا. ----------- أستاذ الفلسفة- جامعة القاهرة