تقليص الجهود الأميركية في أفغانستان إلى مجرد «جهد لمقاومة الإرهاب» سيكون أمراً مقلقاً للغاية، ولا يقل خطراً عن سياسة بوش الابن الفاشلة فاندا فيلباب براون* رونالد نيومان** ديفيد سدني*** مثَّل سقوط مدينة قندوز، العاصمة الإقليمية المهمة في شمال أفغانستان في أيدي «طالبان»، صدمة نفسية عنيفة للشعب الأفغاني، وهزيمة إستراتيجية وتكتيكية لأفغانستان والولايات المتحدة معاً.. مع ذلك، فإن هذه الصدمة قد تحفزنا على إجراء تغييرات جوهرية، ومن المهم في هذه اللحظة، العمل دون إبطاء على تحديد مسؤولية الأفغان والولايات المتحدة عن الكارثة، ومعرفة ما يحدث الآن، وما الذي يتعين عمله مستقبلاً، ويلزم القول هنا إن قرار أوباما، بالمحافظة على مستويات القوات الأميركية بوضعها الحالي حتى العام المقبل، كان قراراً صحيحاً تماماً. ومدينة قندوز التي استردتها القوات الأفغانية، لم تكن أول عاصمة إقليمية مهمة تستولي عليها «طالبان» فحسب، وإنما كانت أيضاً مدينة يحمل سقوطها معنى رمزياً كبيراً لأنها الموقع الأخير الذي تمركزت فيه «طالبان» عام 2001 قبل الغزو الأميركي، والولايات المتحدة وحلفاؤها يتشاركون في المسؤولية عن الخسائر العسكرية التي حدثت إبان المعارك التي دارت لاسترداد المدينة من أيدي «طالبان»، لأننا بنينا قوات أمنية تعتمد على دعم القوات الجوية، وتحتاج إلى معلومات استخباراتية متواصلة، ودعم مستمر من مستشارين عسكريين، ومع ذلك، قمنا في الواقع العملي بإجراءات تقوض ذلك حيث أجرينا تقليصاً حاداً للدعم الجوي، ونقلنا مكونات وقدرات استخباراتية رئيسية إلى العراق، وأقمنا نظاماً مهلهلا للاستشارات في مناطق مفتاحية مثل قندوز. وانسحابنا من هذه الوظائف الحيوية، بناء على جداول زمنية مبنية على اعتبارات سياسية، كان بمثابة تجاهل تام للحقائق على الأرض، بما فيها قدرات طالبان، واعتناق بعض مقاتليها لأفكار «داعش». مع ذلك، يتعين على الأفغان، أن يدركوا أن دعم الولايات المتحدة ليس - ولا يجب أن يكون - شيكاً على بياض، وأن الحكومة والمعارضة لديهم، يحتاجان للعمل سوياً لتحسين الأداء العسكري، والسياسي، والحكومي وإلى العمل من أجل توحيد صفوفهما بدلًا من التسبب في تمزيق البلاد. نكسة قندوز لا تعني أننا قد خسرنا الحرب، خصوصاً أن قوات النخبة من الكوماندوز الأفغان نجحت في مهمتها لاسترداد المدينة من أيدي «طالبان» وإعادة السيطرة الحكومية عليها. وعلى ما يبدو أن الرئيس أشرف غني والرئيس التنفيذي لأفغانستان عبدالله عبد الله قد لبيا النداء الموجه إليهما للعمل سوياً، فخلال الزيارة التي قمنا بها لأفغانستان مؤخراً، واستغرقت 10 أيام قال لنا كل منهما إنهما قد اتفقا على تسريع عملية تعيين عدد من المسؤولين، ورشحا بالفعل خمسة محافظين جدد منهم ثلاثة للمحافظات المهمة، وقالا إن تعيينات أخرى سيجرى تنفيذها، كما قدموا لنا وعوداً باستبدال العديد من كبار الضباط غير الأكفاء وهو الإجراء الذي تأخر كثيراً عن موعده. وهناك العديد من الأمور الأخرى التي يتعين القيام بها، من ضمنها التعامل مع الشخصيات المتنفذة الأفغانية، المصممة على تنفيذ أجندتها الذاتية، والساعية للحلول محل الحكومة، لإجبارها على التنحي، مع الاستمرار في الوقت نفسه في المحاولات الرامية لتقليص أساليب الحكم القائمة على السرقات، والرشوة في الأقاليم المختلفة، كما يجب على «غني» و«عبد الله» أن يعملا سوياً بكفاءة، على الرغم من الرغبات الجشعة لمؤيديهم وخصومهم. أما الولايات المتحدة فتحتاج استبقاء مستويات قواتها الحالية، والاستمرار في مستويات تمويلها الراهنة التي لا تزيد عن 10 في المئة عما كانت عليه منذ عدة أعوام، مع التركيز على تقديم المشورة الفنية للقوات الأفغانية. إن تقليص الجهود الأميركية إلى مجرد «جهد لمقاومة الإرهاب» سيكون أمراً مقلقاً للغاية، ولا يقل خطراً عن سياسة بوش الابن قبل عقد من الزمن تقريباً والتي منيت بالفشل، فمثل هذا التقليص المبكر عن موعده لمستوى القوات سيترك القوات الأفغانية وحيدة قبل أن تستكمل جاهزيتها، وهو ما يمكن أن يزيد من احتمالات عودة البلاد مجدداً إلى ما كانت عليه من قبل، عندما كانت ملاذاً آمناً للإرهابيين، علاوة على ذلك فإن قيامنا بمطالبة حلفائنا بأداء مهام تفوق قدرتهم، سوف يعرضنا إلى المزيد من الانتكاسات مثل انتكاسة قندوز. إن تصميم الرئيس أوباما العلني على الاحتفاظ بمستوى جهدنا التدريبي والاستشاري الحالي، سيوفر دعماً مطلوباً بشدة لكل من الأفغان وحلفائنا في الناتو، الذين استبقنا بعضهم في الدعوة لمواصلة البقاء في أفغانستان، وهو الشيء الذي نعتقد أنه صائب تماما من أجل الحفاظ على مصالحنا القومية العليا. فاندا فيلباب براون* رونالد نيومان** ديفيد سدني*** *زميلة رفيعة المستوى في معهد بروكنجز **سفير الولايات المتحدة لدى أفغانستان 2005-2007 ***نائب مساعد وزير الدفاع الأميركي لشؤون أفغانستان وباكستان ووسط آسيا من 2009-2013 ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»