طَرَق الإرهاب مجدداً بعض المدن السعودية عبر «داعش»، وبعض الأفراد الموالين لها من الشباب المُختطف من قِبل هذه المجموعة الإرهابية، وغيرها من المجموعات العنيفة مثل «القاعدة»، التي تموّلها جهات إقليمية معيّنة تهدف إلى زعزعة استقرار المنطقة، وخلق البلبلة فيها. وتركّز هذه الجماعات على شقّ بعض المجتمعات العربية والخليجية على أساسٍ طائفي بغيض، وتستخدم أسوأ وأقبح الآليات في ذلك، باستهداف المساجد والحسينيات وغيرها. وهي بيوت الله التي يُذكر فيها اسمه، والتي أصبحت أهدافاً سهلة للإرهابيين، حيث يتفرّغ فيها الناس للصلاة والعبادة. ولم يكن الإسلام يوماً دين إرهاب، أو تعدٍّ على الآخرين، حتى في حال تعرّض أبنائه لأشد أنواع الأذى. فها هو نبينا الكريم محمد عليه أفضل الصلوات والتسليم، وأصحابه المؤمنون رضوان الله عليهم أجمعين، يتعرّضون لأشد أنواع الأذى وحرق الأجساد بالنار، في أوائل إسلام الصحابة بمكة، ومع ذلك، لم يقم هؤلاء الصحابة باغتيال الكفار وقادتهم، من زعماء قريش الذين كانوا يسومونهم سوء العذاب. وكذلك لم يقم المسلمون بعد فتحهم لبلادٍ كثيرة بالاستيلاء على الكنائس وتحويلها إلى مساجد، بل إنَّ عمر رضي الله عنه، رفض الصلاة في كنيسة القيامة في بيت المقدس، حتى لا يقوم المسلمون من بعده بالصلاة فيها، أو طَرْد المسيحيين من كنائسهم وتحويلها إلى مساجد. وبمعنى آخر، فقد احترم المسلمون شعائر الأديان الأخرى، واحترموا أماكن عبادتها حتى في زمن الحرب، لأنهم كانوا قوماً متحضّرين، يرون أنّ لكلّ شخصٍ دينه، «فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ» (سور الكهف، الآية 29)، والله كفيل بثوابه أو عقابه. فالدين الحنيف يحضّ أتباعه على نبذ العنف حتى لو تعرّض المسلمون للأذى، وكذلك احترام الآخرين ومقدّساتهم، وتركهم لعباداتهم، حتى في زمن الحرب. غير أنّ هؤلاء الإرهابيين الجدد، لا يرقبون في مؤمنٍ إلاً ولا ذمة، كما أنهم لا يحترمون المسلمين من أتباع المذاهب الأخرى، مع أنّ جميع المسلمين أهل قبلةٍ واحدة، ويعبدون إلهاً واحداً، ويؤمنون برسول الله محمد صلى الله عليه وسلم، وإن اختلفوا في الفروع، فهم في النهاية أتباع دينٍ إسلاميٍ واحد. لقد تذكرت هذه الأمور، وأنا أقرأ ما يحدث هذه الأيام من اعتداءات من شباب جيّشهم «داعش» في الأحساء والقطيف ونجران والكويت وغيرها، لمهاجمة المساجد وتجمّعات المدنيين في هذه المدن. وقد كُتِبت كتبٌ عدة في أسباب نشوء الإرهاب وتزايد أعداد الشباب المجنّدين في خدمته. ولن تضيف هذه المقالة شيئاً في هذا المجال، غير أنّ أيّ كاتب أو باحث، من حقّه، بل من واجبه، أن ينظر في طرائق وآليات مقارعة هذا المنهج الإجرامي والحدّ من انتشاره. وهناك طرق متعددة تمّ تطبيقها في معظم بلدان المنطقة، وتنضوي تحت منهج أمني في الغالب، يتتبع تحركات هؤلاء المجرمين ويرصدها، ويحاول استباق حدوثها وإحباطها في مهدها. أما المنهج الآخر، الذي تمّ تبنّيه، فهو منهج المحاورة والإقناع، بحيث تحاول سلطات هذه الدول إنشاء مراكز للمناصحة لإقناع هؤلاء الشباب بخطورة استمرارهم في مناهج العنف ومسالكه. وقد استعانت هذه المراكز ببعض العلماء والدعاة المعتدلين للتأثير في عقول هؤلاء الشباب وثنيهم عن القيام بأعمال عنف ضد فئات المجتمع وطوائفه. وعندي أنّ هناك منهجاً أو طريقاً ثالثاً يمكن اتّباعه وتجريبه، فحركات الإسلام السياسي المؤدلجة تركّز على الشباب وتقوم بغسل أدمغتهم في وقتٍ مبكر، بطرق مباشرة، أو عن طريق وسائل التواصل الاجتماعي الحديثة. كما أنها تستغل اهتمامهم وولعهم الديني وتحوّله إلى نشاط وتدريب على العنف. وتركّز على الشباب من سن 16- 18 سنة، وهي السنّ التي يُنهي فيها الطلاب عادة سني دراستهم الثانوية. وفي المقابل، يمكن استغلال طاقات الشباب في العمل الميداني والعسكري من قِبل الحكومات نفسها لمدة ما بين سنة ونصف إلى سنتين، بعد الثانوية العامة، أو بعد إنهاء الشاب لثمانية عشر عاماً من عمره. ويمكن أن يدرس هؤلاء المتدربون الفنون العسكرية وأنظمة القتال بشكلٍ مبدئي، إضافةً إلى دراستهم لمواد مهنية مثل النجارة والحدادة والبناء والسباكة والكهرباء، وغيرها من المهن الفنية التي تحتاجها البلاد، ويُعتمد فيها على عمّال أجانب في الغالب. وأنا أعرف أنّ بعض بلدان الخليج العربي قد اعتمدت تبنّي مثل هذه البرامج في جيوشها منذ عدّة أعوام، وفتحت باب الالتحاق بها للشباب من المدنيين الراغبين في اكتساب مثل هذه المهارات. وبهذه الطريقة، وعن طريق ربط التجنيد الإجباري بالتدريب المهني، يمكننا ضرب عصفورين بحجرٍ واحد. فنحن سنحرم المنظمات الإرهابية من تجنيد هؤلاء الشباب في سنٍّ مبكرة في صفوفها، حيث سنجنّدهم بالخدمة العسكرية الوطنية كبديلٍ مهم ومفيد للمجتمع. ونحن كذلك سنكسب جيلاً جديداً من المواطنين الذين سيكتسبون مهارات مفيدة يحتاجها المجتمع، ليصبحوا قادرين في المستقبل على توظيف أنفسهم، وتوظيف الآخرين من أبناء وطنهم في هذه الأعمال الإنتاجية التي يفتقر المجتمع للعاملين فيها من مواطنيه. والسؤال الذي ينبغي أن يُدرس بشكلٍ جيّد: هل يمكن ربط كل ذلك بتراجع العنف من قِبل الجماعات الإسلامية المؤدلجة أم لا؟ الإجابة المبدئية، هي أنّ عدد المتجاوبين من الشباب مع دعواتها النكراء سيتقلّص بشكلٍ كبير، لأننا سنكون قد شغلنا هؤلاء الشباب بما ينفع أنفسهم ومجتمعاتهم. --------- أستاذ العلوم السياسية - جامعة الملك سعود