تريد روسيا أن تظهر باحثة عن حل للقضية السورية، ومن الواضح أن المجتمع الدولي منحها فرصة أن تجرب، والمفارقة أن جل اللقاءات التي حدثت مؤخراً للبحث عن حل كان الغائب الوحيد فيها هو الشعب السوري، كأنه القاصر الذي يرسم مصيره الأوصياء عليه حتى دون مشورته! ويختلف المتحاورون حول أسرار التدخل الروسي العسكري في سوريا، فبعضهم يرى أنه تم بالتنسيق مع الولايات المتحدة، وآخرين يرون أن تم عبر إعلامها به دون تنسيق. ولكن المعلن المؤكد أن روسيا لم تنسق بدقة سوى مع إسرائيل، وزيارة نتنياهو الأخيرة لموسكو عبّرت عن ذلك بوضوح، وهذا ما دعا كثيراً من السوريين إلى الظن أو اليقين بأن مفتاح القضية ليس في موسكو ولا في واشنطن، فهو بيد إسرائيل وحدها، وهي لا تريد أن تعطي فرصة للحل والنهاية قبل أن ترى سوريا كلها دماراً وخراباً، بما يضمن لها خروج سوريا من التاريخ والجغرافيا لعقود طويلة ينشغل خلالها السوريون بإعادة الإعمار، وبحزمة من الصراعات التي ستعيق الإعمار والاستقرار على غرار ما يحدث في العراق البلد النفطي الذي تتجاوز ميزانيته 115 مليار دولار، ورغم ذلك لم يستطع بعد حل مشكلة الكهرباء، فكيف بسوريا التي ستحتاج إلى مئات المليارات وميزانيتها لا تتجاوز سبعة مليارات دولار. وحين تنسق إسرائيل أمراً فإن الولايات المتحدة وبعض أصدقاء سوريا يكتمون مشاعرهم إن كانت صافية، ولكنهم لا يخرجون إلى موقف مضاد أو مناهض، وهذا ما يفهمه الرئيس بوتين جيداً، وبالطبع لن أعلق الفاجعة السورية على المشجب الإسرائيلي، ولكن إهمال رؤية دور إسرائيل (الخفي حيناً والعلني حيناً آخر) في عرقلة الحل سيكون سذاجة. والعالم يعلم أن إسرائيل هي التي أوحت بدق طبول الحرب بعد جريمة الكيماوي في الغوطة، وهي التي أوقفتها بتسليم الكيماوي، وقيل يومها (خشية أن تقع هذه الأسلحة الخطيرة في اليد الخطأ) وربما بدا من طرائف الموقف الروسي اعتراضه يوم الأربعاء الماضي على مشروع قرار فرنسي بريطاني إسباني قدم لمجلس الأمن لمنع القتل بالبراميل المتفجرة، حيث اعتبرت روسيا أن إنهاء القتل بالبراميل يعيق محادثات السلام الجارية، بمعنى أن قتل المزيد من المدنيين والأطفال والنساء بالبراميل يساعد على تحقيق حل سلمي! وقال بعض المحللين: لقد جاءت روسيا لتضرب على طاولة المجتمع الدولي وتقول «انتهى زمن إهمال روسيا وتهميشها، وسنجعل الغرب يرضح لحضورنا في أوكرانيا وفي سوريا معاً، وسنكون أقوياء وشركاء في القرم وفي المتوسط»! ويقول آخرون إن الولايات المتحدة تريد أن ترى الروس يجربون، ويغرقون، فإن نجحوا ولم يتكرر معهم ما حدث لهم في أفغانستان فسيبقون في حالة استنزاف، وستكون بينهم وبين الإيرانيين تصفيات نهائية حول التركة تصب في صالح الغرب! ويرى آخرون، وأنا منهم، أن إسرائيل لا تريد أن ترى إيران على حدودها، فعلى رغم كل الود الخفي الراهن، والأمان الذي أخذه «حزب الله» من إسرائيل حين أفرغ الجنوب اللبناني وأخذ قواته إلى محاربة السوريين دون أي قلق من أن تستغل إسرائيل ما حدث من فراغ عسكري، فإن التكتيك شيء والاستراتيجية شيء آخر، ومن التكتيك الجيد لإسرائيل أن يصرف الإيرانيون و«حزب الله» طاقاتهم في قتال السوريين. لكن ليس من الاستراتيجية أن يصيروا هم حرس الحدود، فالروس أولى. وفي هذا الخضم من التأويلات يطلب الروس من السوريين أن يثقوا بهم، وأن يطمئنوا إلى حل تقدمه لهم روسيا وهي تتابع محنة السوريين وتعطل مشروع قرار بوقف قتلهم حتى بالبراميل. أجزم بأن السوريين لا يثقون إلا بقدرتهم على الصمود وعلى التضحيات وعلى مقاومة كل عدوان، وبعد أن فقدوا مليون شهيد ومقتول، وبعد أن دمرت مدنهم وشرد شعبهم لم يعد لديهم ما يخشونه، لقد باتت سوريا الأرض اليباب التي لا تثمر إلا كرامة شعبها، وكل ما يقال عن مرحلة انتقالية يقودها من تقطر يده دماً هو إضاعة للوقت أو كسب روسي لوقت جديد يسفح فيه نهر دماء جديدة، وإن أصرت على حلمها بإعادة الشعب السوري إلى حظيرة الطغيان فلن يتحقق حلمها حتى ولو قتلت مليون سوري آخرين سيقاتلون «داعش» والتطرف والإرهاب والمحتلين جميعاً، ولم يعد الموت حدثاً مخيفاً للسوريين، وقد أعلنوا أنهم يفضلون الموت على المذلة.