أصاب زميلي «دان بالز» كبد الحقيقة عندما كتب أن جلسة الاستماع التي عقدتها الخميس الماضي لجنة النواب حول هجوم بنغازي، «سلطت قرص الضوء على أعطاب عملية المراقبة والإشراف التي يفترض أن يقوم بها الكونجرس»، حيث أبانت عن إساءة استعمال أعضاء اللجنة للمعلومات بغية الإضرار بطموحات هيلاري كلينتون الانتخابية وإحراج إدارة أوباما. ولعل أكثر ما يضر بدور الكونجرس في الإشراف والمراقبة هو أن يسيء أعضاء لجانه استعمال المعلومات التي جمعوها خلال استجواب أحد الشهود، وهذا ما حدث خلال استجواب هيلاري الأسبوع الماضي. فمثلا، أشار النائب الجمهوري بيتر روسكام إلى رسالة بريد إلكتروني بتاريخ 9 مارس 2011 كمثال على رفض هيلاري الأخذ برأي دبلوماسيين يعارضون مقترحاً بالتدخل في ليبيا. الرسالة كانت ضمن سلسلة من رسائل البريد الإلكتروني التي عممت على مسؤولين كبار في وزارة الخارجية وتتحدث عن الخيارات المتاحة في ليبيا. الرسالة تتألف من فقرتين، أُلحقت ضمن مستند إثبات بثلاث رسائل أخرى، تتألف إحداها من أربع صفحات، وكانت من نائب مدير موظفي كلينتون وقتئذ «جايك سوليفان»، يحدد فيها ستة سيناريوهات في ليبيا. أما رسالة البريد الإلكتروني التي أشار إليها روسكام، فكانت من ستيفان مول، الذي كان يتولى تنسيق العمليات الداخلية بصفته السكرتير التنفيذي لوزارة الخارجية، وجاء فيها: «على مر تاريخنا الدبلوماسي، عندما نقوم بتقديم الدعم للشعوب الساعية لخلع زعمائها من السلطة، وبغض النظر عن مدى عدالة قضيتهم، فإن ذلك يؤدي غالباً إلى أمور سلبية بالنسبة لمصالحنا على المدى الطويل في تلك البلدان». وفي جلسة الخميس، قال روسكام مخاطباً كلينتون: «لقد رفضتِ رأي دبلوماسيين مهنيين»، لافتاً إلى «تحذير مول بشأن استعمال الجيش لتغيير الأنظمة». لكن اللافت هنا أن روسكام لم يشر إلى أن مول نفسه كتب لاحقاً يقول: «إن إقامة منطقة لحظر الطيران، وكان ذلك اختيار هيلاري الأخير، لا يمثل منزلقاً خطيراً بالضرورة»، مستشهداً بمثال العراق الذي أقامت فيه الولايات المتحدة منطقة حظر طيران لمدة عشر سنوات قبل غزوه عام 2003. ومن المفيد هنا الإشارة إلى أن روسكام، على الرغم من معارضته الظاهرية لاستعمال القوة العسكرية في ليبيا، فإنه كان من أشد المدافعين عن استعمالها من قبل إدارة بوش من أجل تغيير النظام العراقي عندما ترشح للكونجرس عام 2006. وفي 2014، أعلن دعمه لتسليح وتدريب الثوار السوريين المعتدلين الذين يقاتلون تنظيم «داعش» ونظام الأسد. ثم إن روسكام تحاشى الإشارة إلى أن رسالة البريد الإلكتروني التي كتبها مول لم تكن موجهة إلى هيلاري، وهذا ما حدا بها للقول: «إنني لم أكن أقوم بمعظم الأعمال التي كنت أقوم بها نيابة عن بلدنا على البريد الإلكتروني»، مضيفة: «لقد كنتُ أقوم بها في الاجتماعات. وكنت أقرأ كميات هائلة من المذكرات، وكميات كبيرة من المعلومات السرية، وأجري مكالمات هاتفية مؤمّنة. وكنت كثيرة التردد على البيت الأبيض. وكانت ثمة الكثير من الأشياء التي حدثت وكنتُ أعلم بها وأرد عليها. ولو زرت مكتبي في الخارجية، لوجدت أنه لم يكن لدي جهاز كمبيوتر». وخلاصة القول إن جلسة الاستماع عرفت طرح أسئلة غير قليلة خارج السياق وأسئلة أخرى مبنية على تحريف للحقائق. ومن المؤسف رؤية أداة مهمة من أدوات الحكم الديمقراطي يساء استعمالها على هذا النحو! والتر بينكوس: صحافي أميركي ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»