استحوذ موضوع انضمام اليمن لمجلس التعاون الخليجي بعد انتهاء الحرب وإعادة الأمن والاستقرار إليه على اهتمام منتدى «الاتحاد» العاشر الذي عقد بأبوظبي الأسبوع الماضي، تلك القضية التي تتضمن جانبين، أحدهما عاطفي بحكم الانتماء والعلاقات التاريخية، والآخر عملي وموضوعي، وهو الأقدر على معالجة هذه القضية وضمان نجاحها واستمرارها. ومعلوم أن هناك تفاوتاً كبيراً في النواحي الاقتصادية والاجتماعية بين دول المجلس الست واليمن، ناهيك عن اختلاف طبيعة الأنظمة السياسية، إلا أن ذلك لا يمنع العمل على تأهيل اليمن للانضمام للمجموعة الخليجية شريطة القيام عبر عملية تدريجية طويلة لكنها ضرورية. فانضمام اليمن بوضعه الحالي لن يحقق النتائج المرجوة. وإذا ما أخذنا تجربة الاتحاد الأوروبي مثلا فسنجد أن عملية تأهيل أي دولة أوروبية تستغرق وقتاً طويلا، فهناك ثلاثة وثلاثون ملفاً تتم مناقشتها واحداً تلو الآخر ويتم غلق ملف والانتقال للملف الذي يليه ولا تتم عملية الانضمام إلا بعد إغلاق كافة الملفات والتزام العضو الجديد بتطبيقها في الجوانب الاقتصادية والسياسية والاجتماعية. وفي حالة اليمن، فإن الأنظمة والتشريعات الخليجية تختلف عن مثيلاتها اليمنية، علماً بأن مستويات المعيشة متفاوتة بصورة كبيرة، مما يتطلب تقريب هذه الأنظمة والتشريعات ورفع مستويات المعيشة عبر برامج تنموية تساهم فيها دول المجلس، خصوصا وأن اليمن يملك مقومات تنموية مهمة، لكنها معطلة وبحاجة لإدارة اقتصادية كفءٍ ومؤهلة. وبالإضافة إلى مصادر النفط الغنية، فهناك الموقع الجغرافي الذي يتيح تطوير التجارة، فالمنفذ الوحيد لقناة السويس هو باب المندب، مما حول ميناء عدن أثناء الاستعمار الإنجليزي إلى أهم موانئ العالم، إلا أن هذه الأهمية تراجعت كثيراً، كما أن اليمن يملك قدرات زراعية كبيرة من خلال توفر الأراضي الصالحة للزراعة ومصادر المياه والطقس الملائم. أما الثروات البحرية والسمكية، فإنها هائلة.. لكن كل ذلك بحاجة إلى استثمارات متاحة خليجياً ويمكن من خلالها توفير ملايين من فرص العمل، إلى جانب تنمية القطاع الخاص اليمني، وبالأخص المشاريع الصغيرة والمتوسطة، مما سيقرب اليمن كثيراً من مستويات المعيشة الخليجية. وكبداية مباشرة يمكن تطبيقها بعد انتهاء الحرب وعودة الأمن، يمكن إقامة منطقة للتجارة الحرة بين الجانبين، مما سيتيح لليمن تصدير بضائعه للأسواق الخليجية دون رسوم جمركية، كما ستصله السلع الخليجية معفية من هذه الرسوم، مما يؤدي إلى تنمية التجارة بين الجانبين ويعزز الاقتصاد اليمني ويمثل خطوة مهمة على طريق التأهيل. وفي فترة لاحقة يمكن ضم اليمن للاتحاد الجمركي الخليجي، مما سيشكل نقلة نوعية أخرى على طريق دمجه في السوق الخليجية المشتركة، وليتم الانتقال بعدها إلى تعديل الأنظمة والتشريعات اليمنية لتنسجم مع مثيلاتها في دول المجلس. بهذا البرنامج التدريجي والعملي يمكن أن تنجح عملية تأهيل اليمن للانضمام إلى المجموعة الخليجية لتستفيد منها وتضيف إليها الكثير في كافة المجالات. وفي نفس الاتجاه يمكن إيجاد شراكة مع العراق، فهو مهما ابتعد في ظل الهيمنة الإيرانية الحالية، فإنه لابد وأن يعود إلى حضنه العربي الطبيعي وإلى عروبته وهو مكون عربي رئيسي له تاريخ مشرف ولا يمكن أن يكون غير ذلك. لقد كان منتدى «الاتحاد» مناسبة مهمة تم خلالها تناول إحدى أهم قضايا الساعة وأكثرها خطورة على المنطقة وعلى ضوئها ستتحدد العديد من معالم الصراع والنفوذ في المرحلة القادمة، بفضل جهود دول التحالف العربي وتضحيات أبنائها التي غيرت موازين القوى في المنطقة وهيأت لإمكانية انضمام اليمن لأشقائه في دول التعاون الخليجي.