في يونيو 1772، قامت القوات الروسية بمهاجمة بيروت والسيطرة عليها، وهي القلعة الواقعة على سواحل سوريا العثمانية، وأراد الروس بذلك دعم حليفهم العربي المستبد، ثم عادوا في العام التالي، واحتلوا الثغر لستة أشهر تقريباً. فما أشبه البارحة بالليلة، حيث يجد الروس سوريا في وضع أشبه بالصراع الطائفي والعرقي الذي حاولوا حسمه بواسطة المدفعية والبارود. اليوم، لدى الرئيس بوتين دوافع كثيرة في سوريا، وعلينا هنا استحضار رؤية روسيا لما تعتبرها مهمتها التقليدية في الشرق الأوسط، وكيف تؤثر تلك الرؤية على تفكير الكريملن والكنيسة الأورثوذكسية الروسية، حيث قال المتحدث باسم الأخيرة، إن تدخل بوتين يمثل جزءاً من «الدور الخاص الذي لعبه بلدنا دائماً في الشرق الأوسط»، علاقات روسيا بالمنطقة تعود إلى الدور الذي اختارته لنفسها كمدافع عن المسيحية الأوروثوذكسية، والذي تقول، إنها ورثته عن القياصرة البيزنطيين بعد سقوط القسطنطينية عام 1453. كما قدم القياصرة الروس موسكو باعتبارها حامية المسيحيين في البلقان والعالم العربي الذين كانا محكومين من قبل العثمانيين بعد سنة 1517، السوفييت ورثوا نسخة علمانية من الأحلام الروسية القديمة في الشرق الأوسط. ففي بوتسدام عام 1945، طالب ستالين بـ«وصاية» على ولاية طرابلس الليبية، واعترف بإسرائيل لاحقاً، على أمل نيل قاعدة في «المتوسط» في الحالتين، فقوبلت مخططاته بالصد، لكن الحرب الباردة جعلت روسيا قوة شرق أوسطية من خلال دعمها جمال عبد الناصر في مصر. وعندما قام السادات بطرد الروس، قاموا برعاية الثلاثي المستبد: القذافي وصدام والأسد، وقد أقام الثلاثة أنظمة وراثية مافيوية عديمة الرحمة، تستلهم النمط الستاليني في تقديس شخصية الزعيم، وتعلّقوا برعاتهم الجدد بسرعة، وقام الأسد بمنح موسكو حق استعمال قاعدة طرطوس البحرية التي تعتبر اليوم آخر موطئ قدم للروس في المنطقة. وبعد موت الاتحاد السوفييتي عام 1991، انهار النفوذ الروسي، وأصبحت موسكو تمقت التدخلات الغربية التي اقتلعت صدام والقذافي، لكن الانسحاب الأميركي من المنطقة يمنح بوتين، الذي يعتبر نفسه مسؤولاً عن الحفاظ على الزعامة الروسية من عهد القياصرة إلى اليوم، فرصة لتقليص النفوذ الأميركي وتقديم روسيا كلاعب عالمي لا يمكن الاستغناء عنه. وفي هذا السياق، ينسجم إنقاذ بشار (ابن الأسد) بالتوازي مع محاربة المعارضة وتنظيم «داعش»، مع حرب روسيا ضد الجهاديين الشيشانيين، علماً أن النجاح سيجلب لها نفوذاً في إيران التي كانت تتمتع فيها ذات يوم بالتأثير والقوة. ومع ذلك، فمن غير المستبعد أن ينتهي الأمر ببوتين إلى الاحتذاء بإمبراطورة روسيا كاترين الثانية ويتنازل عن النفوذ في سوريا مقابل إنهاء العقوبات الغربية وتأمين ضم شبه جزيرة القرم، فهذا الاستعراض العسكري يتعلق أولاً وأخيراً ببقاء بوتين السياسي. ومن بعض النواحي، يُعتبر دفاعه عن الدكتاتور السوري دفاعاً عن سلطته هو ضد التمرد، فصيغة السلطة في روسيا على الشكل التالي: السلطوية في الكريملن، مقابل الأمن والرخاء في الداخل والمجد في الخارج، وحالياً هناك سحر وجاذبية للمغامرة المشرقية! والواقع أن موسكو تفتقر للموارد الكافية لتحل محل أميركا، ولا شك أنها ستجد في سوريا مستنقعاً يصعب الفكاك منه، لكن الروس يشعرون بأن روسيا، الإمبريالية العظيمة، كانت دائماً لاعباً في الشرق الأوسط، وأن الجرأة مهمة في هذا العالم المتوحش. سايمون سيباج مونتيفيور كاتب ومؤرخ بريطاني ينشر بترتيب خاص مع خدمة «نيويورك تايمز»