أصبح ملف الأزمة السورية مترهلاً ومتخماً بالأوراق والحسابات السياسية، وهو يتداول بين أيدي القوى العظمى، في مسلسل مناورات وتدخلات لا سبيل للخروج منها، ويبقى الخلاف الشديد بين القوى الدولية حول سُبل وبنود حل الأزمة هو سيد الموقف، وكأنه يوجد اتفاق ضمني بين روسيا وأميركا على أن تظل الأزمة السورية مستعرة إلى أطول فترة ممكنة إلى حين إثبات فشل السياسات الإقليمية في حلها وسحب البساط من بين أيدي اللاعبين الإقليميين في سيناريو جديد- قديم هادف لتدويل الأزمة السورية إلى أقصى حد ممكن، وحرمانها من أي حاضنة تسوية، أو مظلة ردع عربية، في النهاية. وإن لم تكن في هذا «مؤامرة» ففيه، على الأقل، وبمنطق الانتهازية السياسية ذاته، رائحة مناورة دولية، في تأجيل وترحيل هذه الأزمة النازفة، التي يدفع السوريون من دمهم وحاضر ومستقبل وطنهم، ثمنها المرير. وفي الذهن هنا، في المقابل، التحالف العربي القوي الذي استطاع ليّ ذراع إيران وإبعادها عن الخاصرة الجنوبية للجزيرة العربية، وتستمر الانتصارات المؤزرة التي يحققها التحالف في اليمن تتويجاً لانخراطه هناك من أجل إعادة الحق ودعم الشرعية، وهو ما يبدو أنه لم يرق لبعض دول العالم بعدما أعاد التحالف هيبة العرب في المحافل الدولية، وبعد إثبات وردّ وصدّ دسائس إيران في المنطقة، وفضحها وسحق بيادقها «الحوثيين» وكشف ألاعيبهم وعمالتهم. وفي مواجهة هذا الإنجاز العربي الكبير في اليمن، وهذه العودة القوية للعرب إلى الصورة، بل إلى واجهة المشهد الإقليمي والدولي كله، راح بعض من لا يُضمرون لمنطقتنا أي مودة أو نوايا حسنة يشنون حملات مغرضة تهدف إلى التقليل من دور العرب وقدرتهم على حل مشاكلهم، والعمل بشكل مؤثر كلاعبين إقليميين ودوليين ذوي حضور ودور كبيرين. وقد أطلق الدكتور أنور قرقاش، وزير الدولة للشؤون الخارجية، تحذيرات بضرورة التصدي للحملات المسعورة التي تواجهها السعودية، والتي تعني بلاشك جميع العرب، داعياً إلى ضرورة وضع إستراتيجية واضحة وحملات مضادة من أجل التصدي للحملة الشرسة التي ينفخ في قربتها المثقوبة «الإخوان» وحلفاؤهم، بعدما أفلسوا وأفلس «ربيعهم» المشؤوم. وبطبيعة الحال فالصراخ والجعجعة «الإخوانية» هما على قدر الهزيمة السياسية الساحقة الماحقة التي مُنيت بها تلك الجماعة المنبوذة في كل بلاد العرب. وهناك أطراف وأيدٍ تقتات من استدامة الأزمة السورية وبقائها لفترات أطول، بما يضمن تحقيق مكاسب سياسية، وتنفيذ أجندات تلك الأطراف لتقسيم الشرق الأوسط، أو تمكِّنها من خلق حالة عدم استقرار عامة، عارمة، في المنطقة، لتكون في ذلك ذريعة للسيطرة عليها، والتحكم في مستقبلها. والحال أن التحالف الدولي الذي تشكل للحرب على تنظيم «داعش» الإرهابي يعد الأكبر حتى أكثر من التحالف المشابه الذي تكوّن في حرب الخليج الثانية -حرب تحرير الكويت- في بداية التسعينات. فقد بلغ عدد الدول المشاركة في حرب الخليج الثانية 32 دولة بقيادة الولايات المتحدة الأميركية، بينما وصل عدد أعضاء التحالف الحالي ما يقرب من خمسين دولة فيها دول أوروبية وعربية وشرق أوسطية، وهو عدد يفوق بكثير عدد الدول التي شاركت في التحالف الأول. وفي الحالتين كانت الولايات المتحدة هي التي قادت التحالف ودعت إليه، هذا طبعاً دون إغفال الفارق بين الحالتين، وهو أنه في الحالة الأولى كان هدف الحرب واضحاً ومحدداً: إخراج احتلال غاشم من دولة مستقلة ذات سيادة. ولأن الهدف كان واضحاً فلم يطل أمد المعارك التي انتهت بتحرير دولة الكويت واستعادة سيادتها، بينما في التحالف الحالي فالهدف مطاطي ومداه قد يمتد لسنوات. ولو كان الهدف واضحاً فلم يصعب على كل هذه القوى الدولية القضاء على شراذم «داعش»، مع أن قوى عظمى تدخلت سواء كانت أميركا أو حتى روسيا التي تدخلت مؤخراً وأعلنت حرباً على الإرهاب؟! ولا عجب أن صار لـ«الدواعش» ما يعتبرونه «دولة» يحتضنها الهلال الشيعي، الذي يدفع ذلك للفرس من أجل الوصول للزعامة في المنطقة التي يلهثون وراءها، ويعمل على تفكيك بعض الدول العربية وتحويلها إلى دول فاشلة تعيث فيها عصابات الإرهاب فساداً وتدميراً وتخريباً، وفي نسيج شعوبها تمزيقاً وتحريقاً كما وقع للشعب السوري في محنته الأليمة. وبعد ضياع الأوطان، وتمزيق الشعوب، لا يبقى من شواهد المؤامرة الحية الأخرى سوى قضية اللاجئين السوريين، التي تزداد الآن تفاقماً في دول الاتحاد الأوروبي، وهو ما يعني بشكل أكثر وضوحاً أن هذه القضية قد تدفع، هي أيضاً، بدول حوض البحر المتوسط للمطالبة بتدويل أكثر وأكبر للملف السوري، إلى أن تصبح الأزمة السورية مع مرور الوقت كبعض قضايا الشرق الأوسط المزمنة الأخرى، مما يجعلها غير قابلة للحل، إلى الأبد، طالما لم يعد حلها بأيدي العرب، ولا بأيدي السوريين أنفسهم، لتصبح حلقة مفرغة من حروب الوكالة، وورقة قمار يُشهرها من تحت الطاولة اللاعبون الإقليميون والدوليون في مزاداتهم ومقايضاتهم، وتصبح بذلك بنداً منسياً على أجندات القمم، وورقة في دهاليز وأقبية لعبة الأمم. وهذا الضياع الدولي هو البديل الوحيد عن الحل العربي وعن الإرادة العربية، وهو ما تريده أطراف إقليمية ودولية، لا تريد أن تقوم للعرب قائمة.