إذا كانت الولايات المتحدة قد أسهمت بصورة غير مباشرة في خلق المقدمات التي نتج عنها تأسيس تنظيم «القاعدة»، فقد سبقها الاتحاد السوفييتي في ذلك عندما غزت قواته أفغانستان لمساندة سلطة شيوعية كانت غريبة عن ثقافة المجتمع وتقاليده. ولو لم يكن هذا الاحتلال، ما كانت الحرب الأفغانية الضارية التي انخرط شباب من بلاد عربية عدة فيها، وصار عماد تنظيم «القاعدة» عند تأسيسه بعدئذ. وقامت واشنطن بالدور الرئيسي في تمويل انتقال هؤلاء الشباب إلى أفغانستان، وتدريبهم وتسليحهم. لكن هذا كان نتيجة للاحتلال السوفييتي الذي كسر قواعد لعبة الحرب الباردة في حينه. وإذا نظرنا إلى أحداث تلك المرحلة على هذا النحو، نجد أن الاتحاد السوفييتي يتحمل المسؤولية الأولى عن ظهور الحالة التي أدت لتأسيس «القاعدة»، بخلاف ما يذهب إليه من يلقون اللوم كاملاً على الولايات المتحدة. لم يفكر ليونيد بريجنيف و«رفاقه» حينذاك في التداعيات التي يمكن أن تترتب على غزو بلد إسلامي استعصى على الغزاة طول التاريخ. كانوا مهجوسين بمساندة «رفاقهم» الذين استولوا على السلطة في كابول، ومعتقدين أن المهمة سهلة والغنيمة مضمونة. لذلك لابد أن يثير تدخل روسيا -وريثة الاتحاد السوفييتي- العسكري في سوريا الآن سؤالاً ضرورياً عن احتمال أن يعيد التاريخ نفسه في صورة جديدة، وأن يؤدي هذا التدخل بالطريقة التي نتابعها على مدى ثلاثة أسابيع إلى ازدياد خطر الإرهاب، وليس إلى تحرير سوريا منه، ناهيك عن القضاء عليه. وما دمنا بصدد استدعاء التاريخ، فهو يخبرنا أن روسيا فشلت في القضاء على الإرهاب في عقر دارها على مدى 20 عاماً. فقد حافظت حركات العنف في القوقاز على وجودها رغم الضربات الأمنية والعسكرية الهائلة، وبايع بعض قادتها «داعش» في أبريل الماضي، بعد أن التحق مئات من أعضائها به، وبتنظيمات أخرى في سوريا. والحال أن التاريخ مخزن حافل بالدروس لمن يريد العبرة. وهناك اتجاهات مختلفة بشأن فرضية إعادة إنتاج ما حدث في التاريخ. ويتفق من يرون أن التاريخ يمكنه إعادة نفسه على أن هذا يحدث في صور جديدة نتيجة اختلاف الظروف وتغير الأزمان. ويرى ماركس أن التاريخ لا يعيد نفسه إلا في صورة مأساة أو ملهاة. وإذا صح ذلك بالنسبة للتدخل العسكري الروسي في سوريا، سيواجه العالم مأساة كبرى. ربما تنجح روسيا في تجنب التورط في مستنقع من النوع الذي غرقت فيه إبان تدخلها في أفغانستان. والأرجح أنها ستتمكن من ذلك. لكن هذا لا يحول دون جذب مزيد من المقاتلين المؤيدين لـ «داعش»، وحصوله على حواضن مجتمعية جديدة. وذلك احتمال يصعب استبعاده، فتدخل روسيا بصفة خاصة، وبخلاف أية دولة أخرى، يستدعي التاريخ ويخلط الحاضر بالماضي، لأن المقاومة الأفغانية لموسكو أصبحت مصدر إلهام للتنظيمات المتطرفة والإرهابية. لذلك، ما أن بدأت روسيا حربها الحالية حتى شرع بعض هذه التنظيمات، وفي مقدمتها «داعش»، في استدعاء الحرب الأفغانية واستخدامها في حملات عبر مواقع التواصل الاجتماعي لتجنيد مزيد من الأنصار، ولكسب التعاطف في أوساط جديدة. واستغل «داعش» الخطأ الفادح الذي وقعت فيه الكنيسة الأرثوذكسية الروسية عندما وصفت حرب بوتين في سوريا بأنها «مقدسة»، قبل أن تحاول تدارك هذا الخطأ. وربما تستطيع روسيا تحقيق تغيير جزئي في ميزان القوى في سوريا لمصلحة نظام الأسد، ومساعدته في استعادة بعض المناطق. لكن هذا «الانتصار» قد يكون مأساوياً وفادح الثمن إذا اقترن بنجاح «داعش» في استغلال التدخل الروسي لتجنيد أنصار جدد. وقد تكون النتيجة أكثر مأساوية إذا خلق هذا التدخل حالة تؤدي إلى نسخة إرهابية أكثر شراسة وانفلاتاً من «داعش». وذلك ما ينبغي لعقلاء العالم أن ينبهوا موسكو إليه، ويلفتوا انتباهها إلى أن حرصها على عدم التورط في مستنقع جديد لا يلغي احتمال إعادة إنتاج بعض ما ترتب على غزو أفغانستان. وإذا كان هذا الغزو خلق مقدمات لظهور «القاعدة»، فليس مستبعداً أن ينتج عن التدخل في سوريا ماهو أسوأ من «داعش» وأكثر توحشاً.