دعا الفلسطينيون مجلس الأمن إلى توفير حماية دولية لهم، أو على الأقل للقدس الشرقية التي لابدّ أن تشكل جزءاً جوهرياً من أي «حل سلمي» للصراع العربي- الإسرائيلي. مطلب قديم قِدَم رفضه من جانب الدول الكبرى، وبالأخص الولايات المتحدة، لمجرد أن سلطة الاحتلال الإسرائيلي ترفضه. ولكن، ماذا يعني أن يقال لشعب تحت الاحتلال إن المجتمع الدولي ليست لديه الإرادة لمساعدته، ولا القدرة، ولا حتى الرغبة؟ إنه يعني بالضرورة أن زمرة التطرّف في حكومة إسرائيل هي التي تفرض إرادتها على مجلس الأمن، فلا يبقى للشعب المنكوب سوى خيارات غير واقعية ومرفوضة أصلاً: أن يستكين، أن يُحبط، أن يستسلم، طالما أن ميثاق الأمم المتحدة لم يعد يستطيع استيعاب حقّه الإنساني والطبيعي في مقاومة الاحتلال والتخلّص منه، وطالما أن المنطق البشري ينقلب: فالتدمير المفرط والعنف الوحشي والمجازر لا تُعتبر إرهاباً حين تقدم عليها إسرائيل، أما الحجر الذي يرميه فتى فلسطيني فهو إرهاب خالص! في زحمة الانهيارات التي يشهدها المشرق العربي يتعامل المجتمع الدولي مع قضية الشعب الفلسطيني بعجز وإهمال وكأنهما خيار وطريقة لمعالجة التوترات، لكنهما ليسا كذلك، بل أصبحا من العوامل المشجعة لحكومة إسرائيل للذهاب أبعد في تطرفها وفي العنف العاري الذي ترتكبه. ولعل ذروة التطرّف أن تتصرّف هذه الحكومة وكأنه لا علاقة لها من قريب أو بعيد بالغضب الفلسطيني المشتعل حالياً. فهي تقدّمه لنفسها، وتحاول أن تصوّره للعالم، وكأنه نتاج عوارض نفسية تنتاب شعباً يعيش في أفضل الظروف لكنه غير قادر على كبح نوازعه التمرّدية و«الإرهابية»، لذا تجب معالجته بالشدّة. فأحد الكتاب الإسرائيليين، وهو رزين عادةً بمقدار ما هو مطّلع، قال إن الخيار الوحيد هو العنف. لم يرَ في المشهد سوى وقائع الهجمات الفردية بالسكاكين، وأغمض عينيه عن كل ما سبق وتبع هذه الحوادث من قمع دموي وعقاب جماعي لعموم الفلسطينيين ترتكبهما سلطته والسلطة الرديفة التي يشكّلها المستوطنون ولا تنفكّ تستمدّ «صفة حكومية» و«رسمية». هذا الكاتب وغيره كثرٌ عيّنات ونماذج لانعدام أصوات إسرائيلية تدعو إلى النظر في أسباب الغضب الفلسطيني. هذا شعبٌ متروك أميركياً وأوروبياً وعربياً لـ«رحمة» عدوّه و«حكمته»، وما الذي يمنع هذا العدو في هذه الحال من استغلال ظروف المنطقة وتحويلها فرصة لسحق الفلسطينيين واستكمال سياسة «كيّ الوعي» ضدّهم، وسط انشغال الجميع باضطراباتهم الداخلية. يعرف الإسرائيليون أنهم مهما تجبّروا وعربدوا سيبقون أمام استحقاق حل «قضية الشعب الفلسطيني»، وأي حل لن يبدّد مخاوفهم الأمنية ما لم يكن منصفاً، منصفاً حقاً وليس بالإرهاب والخداع. فإذا كانوا يرفضون الحلّ القائم على «دولتين» أو على «دولة واحدة» ويحاولون فرض حلّ قائم على «مناطق حكم ذاتي» تحت سيادتهم، مع مواصلة سرقة الأرض والموارد، فهذا لن يكون خياراً على الإطلاق، مهما جهدوا لترويج «واقعيته» أو استثمار الانقسام الفلسطيني لتسويغ مبرّراته. لا شيء غير الحل المنصف يمكن أن يسهم في استقرار المنطقة. عدا ذلك الانقسام الداخلي الذي يشكّل أشدّ إساءة لقضية الشعب الفلسطيني ويسهم في إضعافها على كل المستويات، فإن هذه القضية تبقى دولية أولاً وأخيراً. ولا شك أن أسوأ ما تعانيه حالياً هو فشل «الطرف الثالث»، أي الأميركي، بل يأسه من إمكان العمل مع زمرة المتطرفين والمستوطنين المتعصّبين في إسرائيل. حتى أن هؤلاء نجحوا في إقصائه عن مساعي إحياء «الحل السلمي» وفي منعه من استخدام «التحالف الاستراتيجي» والمساعدات العسكرية للضغط عليهم، وهو ما لم يحاوله في أي حال. وفيما يمارس الأميركيون أقصى الضغوط على الفلسطينيين كي يبقوا في حيّز «الاعتدال» ويواصلوا اعتماد «ثقافة السلام»، فإنهم فشلوا خصوصاً في استنهاض «معتدلين» في إسرائيل حيث الجميع يؤيد التوسّع الاستيطاني الذي يعطّل أي حل سلمي، ويسكت عن اقتحامات المسجد الأقصى والاستفزازات التي تسببها، ويتغاضى عن «عدالة» عنصرية تدعم احتجاز آلاف الفلسطينيين وجعلهم ورقة للمساومة، ويبرّر إجراءات الإغلاق وهدم البيوت والإعدامات الميدانية. إذا كان الوسطاء الدوليون، والأميركيون في طليعتهم، يئسوا من تعنّت إسرائيل فإن «ترف» اليأس هذا غير متاح للفلسطينيين، ولاسيما شبابهم، لأنهم لا يستطيعون السكوت على من يعبث بحياتهم ويعطّل اقتصادهم ويفسد حاضرهم ومستقبلهم ويعمل علناً على إلغائهم. هؤلاء لا يريدون الذهاب إلى «داعش» وسواه، ولكن تجاهل المجتمع الدولي لهم يدفعهم إلى التحرّك ولو كان مُكلفاً.