يعقد اليوم في أبوظبي منتدى الاتحاد العاشر، هذا العرس الفكري السنوي البهيج والمتنوع في انتماءاته وكفاءاته، بمشاركة صفوة من المفكرين والكُتاب العرب، كتاب «وجهات نظر» في هذه الجريدة الغراء «الاتحاد». والفكر هو وعاء الأمم وهو المحرك الرئيسي لبلورة استراتيجيات وأفكار ورؤى تمكن من وضع أسس النهضة والبناء وأسس التوجيه لدى صاحب القرار والمؤسسات. وعندما يكون العقل رهاناً نقدياً ومستقبلياً مبنياً على الإنجاز والمبادرة المتجددة والخلق الإبداعي فإننا نربح أزمنة عديدة ونتجاوز مشاكل مستعصية. وقد وجه المفكر المغربي عبدالله العروي في كتابه «العرب والفكر التاريخي» نقداً للنخبة المثقفة عندما تكون في مرحلة انتقالية تفرضها إخفاقات الماضي وانحرافات الحاضر. فالمثقف إما أن يساهم في إنهاض المجتمع أو في تجذير تأخره. ولذا يرى العروي أن المواقع التي ينطلق منها المثقف العربي ماثلة في تيارين أساسيين ينخرط فيهما المثقفون العرب: إما تيار ماضوي تقليدي أو تيار يميل إلى الانتقاء دون أية قواعد إيديولوجية أو منهجية علمية تبقيه في شمولية الرؤية والمنهج الفعال. والمثقف الماضوي يكون مستلباً في ظل هيمنة الماضي على تفكيره ووجدانه ومنهجه وهو يظن أنه حر في أفكاره، ولكنه في الواقع لا يفكر في اللغة العتيقة وفي نطاق التراث، بل إن اللغة والتراث هما اللذان يفكران من خلال فكره. ويتمثل التيار الثاني في اغتراب المثقف الانتقائي لما يقع فيه من وهْم خادع، فالانتقائي غالباً ما يفكر في نطاق الثقافة التي انتقى منها معلوماته وباللغة التي استعملها، والانتقاء يؤدي إلى التبعية، إذ من طبيعة الانتقائية أن تفتح الأبواب لكل المؤثرات الخارجية، ولذا كان لزاماً على المثقف أن يعمل ويرغب ويهدف إلى تغليب الفكر البناء والاستراتيجي في زماننا على الفكر الاغترابي أو التقليدي حتى النخاع. ولذا ومنذ عشر سنوات مكنت المنتديات السنوية لـ«الاتحاد» من مأسسة فكر عقلاني منشغل بهموم المجتمع العربي، باحث عن كل آفاق التطويرات الممكنة المتشبعة بالأمل في مستقبل حقيقي صالح لنا ولأبنائنا وللأجيال المقبلة، طالما أن قوى التطور تكون هي الغالبة ما دام في الإنسان حب للحياة. وهذه الروح العلمية التي تتبناها ملتقيات «الاتحاد» تشمل فهمنا للكون والإنسان والواقع والتاريخ والاستراتيجية. وبحكم تخصصي في الاستراتيجية والعلاقات الدولية والعلوم السياسية يمكنني القول إن هذا الخط شبيه بالثورة الكوبرنيكية التي قلبت كل شيء في ذهن الإنسان ولم يتغير أي شيء في الكون. والموضوع الذي يتطرق إليه المنتدى في هذه الدورة في غاية الأهمية: «اليمن: الانقلاب الحوثي والرد الخليجي»، فعاصفة الحزم كانت بكل المقاييس الاستراتيجية تدخلاً استراتيجياً مكن من تفادي العشرات بل المئات من المشاكل الخطيرة اللاحقة، التي كانت ستؤدي بكل المنطقة إلى غيابات المجهول والفوضى العارمة بسبب طبيعة فكر الحوثيين المتطرف، وطبيعة الفاعل الممول والمساند لهم: إيران، وبسبب الموقع الجغرافي لليمن. ويخطئ كثير من المحللين الغربيين عندما يوجهون أصابع الشكوك في حيثيات ونتائج هذا التدخل الخليجي العربي، لأنهم اعتادوا وضع استراتيجيات وتحليلات خاصة بهم عن منطقتنا العربية، يتبناها بعض الانتقائيين العرب وكأنها الحقيقة النبراس التي يجب اتباعها! فطبيعة التدخل التي فاجأت حتى أعتد مراكز الأبحاث ومراكز صنع القرار في الدول الغربية، والتحليلات التي أنجزها وينجزها مثقفون عرب كفيلة بوضع الفكر والعقل العربيين في خط جديد قادر على تحريك الأوضاع العربية في اتجاه التحليل والتوجيه الاستراتيجي، وفي اتجاه تفعيل العمل العربي المشترك، وتحديث أساليب الفهم والشرح والتنظير (وهي الثلاثية التي يشتغل عليها كل مختص في مجال العلوم الإنسانية) وأساليب العمل السياسي. ومن هنا كانت أهمية إقدام السعودية على إقامة وقيادة تحالف عربي إسلامي واسع لوقف الزحف الحوثي في اليمن واقتراح تشكيل قوة عربية عسكرية مشتركة. وقد وافقت القمة العربية في شرم الشيخ على تشكيل قوة عسكرية مشتركة تضطلع بمهام التدخل السريع ومهام أخرى في الصراعات التي تهدد أمن وسلامة الدول الأعضاء، وأصبح القرار في هذا الشأن عربياً، واجتمع في هذا الشأن رؤساء الأركان العرب وانتهوا إلى وضع مشروع بروتوكول إنشاء القوة للعرض على القمة العربية على أن يكون الانضمام إليها طوعياً(...)، وهذه القوة لها بيئة من المحفزات يمكن أن تعطيها الزخم الكافي لتأمين إقلاعها، وكل التحالفات الإقليمية والدولية بدأت هكذا ويكفي سرد مثال تكوين جل مؤسسات الاتحاد الأوروبي ومؤسسات عسكرية نافذة كالحلف الأطلسي التي بدأت من فراغ لتصبح حقيقة في مصلحة شعوبها.