لا يرد على ذهني اسم أكثر استحقاقاً للفوز بجائزة نوبل في الاقتصاد من اسم «أنجوس ديتون»، الذي أرى أن الجائزة قد تأخرت عنه طويلًا. ومن المهم هنا أن ندرك أن «دايتون» ليس عالم اقتصاد بارزاً فحسب، بالمعايير الصارمة للامتياز الأكاديمي، وإنما هو أيضاً عالم مثالي، وقدوة تحتذى، من نواحٍ عديدة. فمن المعروف أن مشكلة الاقتصاد هي أن عدداً كبيراً للغاية من كبار علمائه، يعانون من عدم القدرة على الفصل بين العلم «الموضوعي» وبين القيم «الذاتية»، خصوصاً في المجال العام. فهم بارعون في الخلط بين الاثنين عادة، مما يؤدي إلى فقدان الثقة العامة في هذا التخصص ذي الأهمية الفائقة. فالتحليلات الاقتصادية التي يقدمها بعض الأساتذة والخبراء المختصين، يُنظر إليها في كثير من الأحيان على أنها نوع آخر من مقالات الرأي، وهو أمر خطير في الحقيقة بالنسبة لهذا العلم، لأن التحليلات الاقتصادية أكبر قيمة بكثير من أن يُنظر إليها بهذه الكيفية. ويقاوم «ديتون»، بشكل واضح، الإغراء الذي يدفعه لجعل قيمه الذاتية، وتفضيلاته الشخصية، تمليان عليه أحكامه العلمية. فعلى سبيل المثال، وكما جاء في افتتاحية لمجلس تحرير «بلومبيرج فيو»، فقد كتب «ديتون» أن مساعدة فقراء العالم تمثل حتمية أخلاقية، وأنه كثيراً ما عبّر عن قلقه من عدم المساواة المتنامية على مستوى العالم، ولكنه مع ذلك، يشك، لأسباب أوردها في كتابه «الهروب الكبير»، في أن المساعدات الخارجية على النحو الذي يتم توزيعها به حالياً، يمكن أن تحقق الغرض المتوخى من ورائها. في المراجعة التي قدمتها في الآونة الأخيرة لكتاب «داني رودريك» الجديد المعنون «قواعد الاقتصاد»، أوردت الدروس المستمدة من الاقتصاد التي أبرزها «توماس سارجنت» الفائز أيضاً بجائزة نوبل في كلمته الافتتاحية الشهيرة في حفل الجائزة، والتي لم تستغرق سوى دقيقتين وعلى رأسها أن «الكثير من الأشياء المرغوبة ليست هناك جدوى أصلاً من عملها»! وعلى رغم أن هذه حقيقة واضحة ويلمسها الجميع، فإن هناك صعوبة في القبول بها مع ذلك، إلا أن «ديتون» بالذات، لم يتملص منها سعياً وراء تصفيق إعجاب رخيص. كما أنه لم يكن يحجم عن الانخراط في الجدل الأكاديمي أيضاً. وعندما كان يختلف مع رأي سائد، أو طريقة من الطرق المتبعة في دراسات «اقتصاد التنمية المعاصرة» مثل استخدام ما يعرف بـ«تجارب التحكم العشوائية» لتحديد ما يصلح وما لا يصلح من سياسات التنمية، فقد كان يفعل ذلك بأسلوب علمي، وبما يبقي الجدل متحضراً. وباعتباره رائداً من رواد العمل التنموي التجريبي، كان «ديتون» يستمع باحترام واهتمام للآراء المخالفة، ويقيم مع أصحابها حواراً مثمراً، ولا يلجأ لما يلجأ إليه الكثيرون من الأكاديميين في مثل هذه الحالات، وهو إظهار التجهم، وعدم التواصل مع أصحاب الآراء المخالفة. ومن المؤسف أن هذا الأسلوب الذي يتبعه «ديتون»، لم يعد هو الأسلوب السائد في سياق مناقشات علم الاقتصاد. وأخيراً، يمكن القول إن «ديتون» يعتبر تجسيداً فريداً للمزج بين المعرفة الرياضية والإحصائية العميقة، المقرونة بالوضوح الفائق، والرشاقة في استخدام الكلمات، وهما صفتان لازمتان لكل من يريد أن يكون أستاذاً ذا شأن في علم الاقتصاد. ذات مرة، في مقالة رائعة حكى فيها جزءاً من سيرته الذاتية، كتب «ديتون» ما يلي: «لقد كنت أدرك أن الاقتصاد يتعلق بثلاثة أشياء: النظرية التي تحدد الآليات، والقصص المتعلقة بالطريقة التي يعمل بها العالم، والكيفية التي يمكن بها الربط بين الأشياء..». ومن المقالات المفضلة لديّ، التي كتبها «ديتون» في الآونة الأخيرة تلك التي أجرى فيها عرضاً لكتاب «بيل إسترلي» المعنون: «طغيان الخبراء». ففي هذا العرض تتجسد شخصية وقيمة «ديتون» الصافية: فهو رجل دمث الأخلاق، يتمتع بقدر كبير من الفضول العلمي، والقدرة على التمييز السريع بين ما هو قيم، فيبادر بإطرائه، وما هو غير قيم، فيتركه لحاله. وهو إلى جانب ذلك رجل عميق التفكير، دقيق التعبير، طموح، يسعى دوماً إلى الكمال. ومثلما يقول «إسترلي» إنه يشعر بسعادة كبيرة لفوز «ديتون» بجائزة نوبل، فأنا أشاركه شعوره هذا أيضاً بلا أدنى تردد. كليف كروك عضو مجلس تحرير «بلومبيرج فيو» ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»