وسط كل الحطام المتساقط في أرجاء البيت العربي الكبير بفعل المؤامرات والأطماع، فإنني ألمح في شهر أكتوبر ضوءاً لامعاً. وأمام هذا الضوء أجد من واجبي أن أنقل خواطري إلى القارئ النابه لعلّ توارد الخواطر الجماعي يولد لأمتنا حالة جديدة تبدد بعض ما تراكم في أجوائنا منذ بداية الربيع الأسود منذ أربع سنوات. إن الأخبار التي تتدفق من فلسطين لم يعد «الهباب» الأسود يحجبها، ولم تعد أنباء الأطماع الصفوية والمؤامرات الحوثية والعلوية والداعشية قادرة على تحويل الأنظار عنها، أمامنا مشهد بسيط الملامح خلاصته أن شعباً أعزل يعاني من الاحتلال الإسرائيلي منذ أكثر من ستين سنة قرر ألا يلين في مواجهة مخططات إجرامية وبرامج إرهابية ضد المسجد الأقصى. ظل هذا الشعب يصيح ويقاوم جرائم اقتحام الحرم القدسي من جانب العصابات الصهيونية المحمية بالشرطة والإرادة الحكومية لأكثر من شهرين، عندما اكتشف أن العالم مشغول بأمور أخرى وأن الأمم المتحدة ليس لديها سوى بعض البيانات الجوفاء، قرر أن يأخذ زمام الموقف في يديه. هكذا ولدت انتفاضة أكتوبر 2015 التي لن تخبو، والتي فرضت نفسها على نشرات كبريات الفضائيات في العالم، إن كل ما يملكه الشعب الفلسطيني في انتفاضة الأقصى الثانية هو سكاكين الطعام يشهرها في وجه قوة الاحتلال غير عابئ بالرصاص الحي الذي قررت حكومة نتنياهو توجيهه إلى صدر أي فلسطيني بحجة الاشتباه في أنه يحمل سكيناً أو حجراً. هذا شعب أنجب جيلاً جديداً يحل اليوم في صفوف المواجهة الأولى محل الجيل الذي سقط من أبنائه شهداء كثر وهم يذودون عن الأقصى بعد اقتحام شارون له مع قوات الشرطة عام 2000. أليس شهر أكتوبر هو نفس الشهر الذي احتشدت فيه إرادة أمتنا من المحيط إلى الخليج منذ 42 عاماً للتصدي لهزيمة فادحة التهمت فيها القوات الإسرائيلية أراضي ثلاث دول عربية؟ أليس هذا هو الشهر الذي اكتشفت فيه أمتنا أنها قادرة على قهر المستحيل وتحطيم أساطير زرعتها هزيمة يونيو 1967 حول جيش إسرائيل الذي لا يقهر ومخابراتها التي لا تغيب عن أنظارها وأسماعها شاردة ولا واردة وطيرانها القادر على توجيه الضربات الإجهاضية لمطاراتنا وتعجيز طيارينا وتحويل طائراتنا إلى بط مشوي على الأرض؟ هذه خاطرة تلح على ذهني لتربط بين أكتوبر شهر الانتفاضة بالصدور العارية وسكاكين الطعام تمسكاً بحق الأمة في الدفاع عن مقدساتها وبين انتصار شارك فيه الإنسان العربي بدمه ونفطه وثروته وعزمه وإيمانه في عام 1973. إنها ليست الخاطرة الوحيدة التي تلح على ذهني. أليس شهر أكتوبر هو نفس الشهر الذي تمكنت فيه القوات العربية والإسلامية من تحرير القدس بعد مائة عام عاشتها تحت الاحتلال الصليبي الذي بدا وكأنه قد سيطر عليها للأبد؟ ألم تتقدم قوات صلاح الدين الأيوبي في أكتوبر عام 1187 ميلادية لتدخل القدس وترفع عليها رايات أمتنا ولتعلن أن هناك أمة قادرة على امتصاص الضربات واستيعاب الهزائم وتحويلها مهما طال الزمن إلى انتصارات؟ أليس من واجبنا اليوم أن نخاطب جيل الشباب العربي والمسلم الذي أخذ فرص تعليم فاقت في تقدمها تعليم أجيال صلاح الدين وأجيال انتصار 1973 وأصبح يتميز بوعي يقظ وعقل مبدع ونقدي؟ أليس من واجبنا أن نضع أمامه هذه الخواطر التي تربط بين انتصار عربي إسلامي في القدس منذ ثمانمائة وثماني وعشرين سنة وانتصار قريب في سيناء والجولان منذ اثنين وأربعين عاماً وبين انتفاضة صافية العزيمة خالصة النية في الدفاع عن مقدسات الأمة هذا العام؟ أعزائي القراء أصارحكم القول بأن الكتابة العاجزة عن إلهام الأمة واستنهاض عزيمتها وشحذ عزائم شبابها لا ضرورة لها.