«لن تقع الحرب بين أميركا وروسيا، لكن الحملة الكبرى لأجل السلام التي يشنها البلدان لن تُبقِ حجراً على حجر». هذه النكتة المعروفة فترة الانفراج الدولي في العهد السوفييتي تصف ما يفعله البلدان حالياً. ونُصّدق ادعاء روسيا بأنها لا تقصف سوى قواعد ومعسكرات «داعش» و«القاعدة»، فنحن لا نرى سوى خرائب وأنقاض أربع سنوات من عمل «أصدقاء سوريا» في إقامة الديمقراطية. ونصدق «أوباما» عندما يقول بأنه لا يملك استراتيجية لحلِّ الصراع، أو هزيمة روسيا، أو «داعش». فالجنرال الأميركي المتقاعد "ويسلي كلارك" القائد السابق لقوات "الناتو" أخطأ فقط في الرقم عندما توقع عام 2007 عودة التوازن الاستراتيجي بين واشنطن وموسكو خلال عشر سنوات، فها هو عاد خلال ثمان سنوات. و«قبل كل شيء لا تكذب على نفسك. فالشخص الذي يكذب على نفسه، ويسمع أكاذيبه، ينتهي به الأمر إلى ألا يميز الصدق، سواء في نفسه، أو أينما كان حوله، وهكذا يسقط في عدم احترام نفسه والآخرين». قال ذلك قبل أكثر من قرن دستوييفسكي، أحد أبرز أدباء روسيا، ولا أجد أدق من قوله في وصف الغرب، ساسة وحكومات، ورجال أعمال، ونجوم سينما وفن وإعلام، بل وحتى المنظمات التي تدعي الدفاع عن حقوق الإنسان. سيماهم في كلامهم الذي يتعثر من أثر الكذب. 3700 غارة جوية قامت بها قوات التحالف في سوريا والعراق، وبقي تنظيم «داعش» والجماعات الإرهابية الأخرى تسيطر على رقع مهمة في البلدين، فيما يناقش «البنتاغون» مصطلح «نزع النزاع» لوصف إدارة دفة قصفهم بعيداً عن القصف الروسي. وتراجع «البنتاغون» عن المصطلح عندما أخبرهم الروس أنهم بانتظار تحديد الجماعات التي تحارب «داعش» لتجنيبهم الضربات الجوية. وقال مسؤولو «البنتاغون» طالما أن الروس لا يؤيدون موقف واشنطن في أن الحملة ضد «داعش» ينبغي أن ترافقها حملة لإزالة الأسد من السلطة، فإن محادثاتهم ستقتصر على موجات الاتصال التي يستخدمها الطيارون. وأحمق من يدفع الأمم العظمى إلى حافة الجنون وينتظر منها الخضوع والحكمة. و«داعش»، سواء أكان صناعة عربية أو عربية أميركية، فإنه -مثل «النازية» الألمانية- غضب مجنون لأمة عريقة مهانة ومنتهكة. والعربُ الذين يمعنون في إهانة أهلهم، وتحميلهم ودينهم مسؤولية الجرائم التي تقع، وينظرون لهم نظرة دونية، هم الوجه الآخر للحركات المتطرفة. فالسوريون أكثر العرب تهذيباً وتواضعاً وثقافة وتحضراً، انظروا ما فعلوا بهم، وما جعلوا السوريين يفعلونه بأنفسهم. يتلاعبون بأعز أحلام الناس ومطامحهم، وبطرق أقسى مما يمكن أن يتصوره إنسان. «هل تدركون على الأقل ما فعلتموه؟ أخشى أن يظل هذا السؤال دون جواب لأنهم لم يتخلوا قط عن سياستهم القائمة على الغطرسة، والحصانة، وعدم المحاسبة». قال ذلك الزعيم الروسي في خطبته الشهر الماضي في «الأمم المتحدة»، وفيها دعا: «انظروا فحسب إلى الوضع في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. المشاكل السياسية والاجتماعية كانت طبعاً تتراكم فترة طويلة في المنطقة، والناس يريدون التغيير. لكن ما المحصلة الحقيقية لذلك؟ بدلاً من جلب الإصلاح سرعان ما دَمّر التدخل العدواني مؤسسات الدولة، والطريقة المحلية للعيش. وبدلاً من الديمقراطية والتقدم هناك اليوم العنف والفقر، والكوارث الاجتماعية، والانعدام الكامل لحقوق الإنسان، بما في ذلك حتى الحق في الحياة». وحذّر «بوتين» من خطر استخدام «داعش» لتحقيق أهداف سياسية بأمل إيجاد طريقة فيما بعد للتخلص منهم والقضاء عليهم. «هؤلاء الناس الذين تتعاملون معهم قساة، لكنهم ليسوا أغبياء. إنهم يملكون من الذكاء قدر ما تملكون. وبالتالي فالسؤال الكبير هو: من يلعب بالآخر هنا؟». ------------------------------- *مستشار في العلوم والتكنولوجيا