بعد يومين من الآن سيمثل السياسي الكاتلوني «آرتور ماس» أمام القضاء الإسباني بتهمة «العصيان المدني» ومخالفة دستور البلاد، وذلك على خلفية قيامه بتنظيم استفتاء رمزي، العام الماضي، حول مصير إقليم كاتلونيا. وقد تم استدعاء «ماس» بعد يومين فقط من الانتخابات البرلمانية في الإقليم يوم الـ27 من سبتمبر الماضي، والتي فاز فيها الاستقلاليون بالغالبية المطلقة، وقد تصدرتهم لائحة «نعم من أجل نعم» التي يتزعمها «ماس». و«آرتور ماس» سياسي إسباني، وعضو حزب «التقارب الديمقراطي الكاتلوني» ورئيس الحكومة المحلية للإقليم منذ خمس سنوات. وقد ولد «آرتور ماس غافارو» في برشلونة عام 1956، وأكمل تعليمه في الثانوية الفرنسية هناك، ثم درس الاقتصاد والأعمال في جامعة برشلونة، وبدأ العمل في وزارة التجارة الخارجية مكلفاً بملفات الشركات الصناعية المتخصصة في إنتاج المعدات اللوجستية. ثم أصبح رئيساً لشركة كبيرة متخصصة في مجال الدباغة. وفي عام 1982 عاد إلى القطاع العام كمستشار لوزارة التجارة والاستهلاك والسياحة في كاتلونيا، وبعد بضعة أشهر تم انتدابه لمهمة تعزيز الاستثمار الأجنبي في منطقة الحكم الذاتي لكاتلونيا، ثم أصبح رئيساً لمعارض الخدمات التجارية، قبل أن يتولى منصب مدير عام الترويج التجاري. وانتخب «ماس» لأول مرة عضواً في مجلس مدينة برشلونة عام 1987 على قائمة حزب «التقارب الديمقراطي الكاتلوني»، لكنه غادر الحياة البلدية عام 1995 عقب انتخابه نائباً عن محافظة برشلونة في البرلمان الإقليمي لكاتلونيا. أما في مجال الحياة الحزبية فقد انضم «ماس» مبكراً إلى «التقارب الديمقراطي الكاتلوني»، وترأس مكتبه في محافظة برشلونة عام 1996، ودخل أمانته الدائمة بعد ذلك بعامين. وفي 2001، انتخب أميناً عاماً له خلال مؤتمره الـ11. وقبل ذلك تم تعيينه، عام 1993، متحدثاً باسم التحالف بين حزبه و«حزب الاتحاد الديمقراطي الكاتلوني»، التحالف الذي عرف باسم «التقارب والاتحاد». ولدى تحول تحالف الحزبين إلى اتحاد عام 2001، أصبح «ماس» أول رئيس له. وبعد ثلاث فترات له كأمين عام لـ«التقارب الديمقراطي»، تولى رئاسة الحزب خلفاً لزعيمه التاريخي «جوردي بوجول» عام 2012. وفي مجال العمل الحكومي، عُين «ماس» -عام 1995- عضواً ومستشاراً للأشغال العامة في الحكومة المحلية لكاتلونيا، ثم أصبح مستشارها الاقتصادي والمالي في عام 1997، وهو المنصب الذي استمر فيه أربع سنوات قبل اختياره لخلافة «بوجول» المنتهية ولايته على رأس الحكومة عام 2003. لكن فوز تحالف اليسار وضع «حزب التقارب الديمقراطي» وحلفاءه خارج السلطة لأول مرة منذ 23 عاماً، ليصبح «ماس» زعيماً للمعارضة بقيادة تحالف الحزبين. وخلال تزعمه المجموعة البرلمانية للمعارضة، توصل لاتفاق مع «ثاباتيرو»، رئيس الوزراء الإسباني، لضمان اعتماد النظام الأساسي الجديد للحكم الذاتي في كاتلونيا، والذي تضمن الدعوة لانتخابات مبكرة عام 2006، استطاع خلالها تحالف «ماس» زيادة عدد مقاعده البرلمانية لكنه لم يستطع التفوق على تحالف اليسار الحاكم. بيد أن «التقارب والاتحاد» استطاع خلال انتخابات 2010 أن يرفع عدد نوابه مجدداً في البرلمان إلى 62 نائباً، ليتم تنصيب «ماس» رئيساً لإقليم كاتلونيا. ورغم الأغلبية النسبية الضعيفة التي نالها في الانتخابات المبكرة التالية (2012)، فإن موقف «ماس» تعزز بانضمام حزب «يسار كتالونيا الجمهوري» إلى تحالفه، مما دفعه للإعلان عن إجراء استفتاء تقرير المصير عام 2014. وقد وافق برلمان كاتلونيا، في 19 سبتمبر 2014، على قانون يسمح لحكومة الإقليم بالدعوة لاستفتاء تقرير المصير يوم 9 نوفمبر من العام ذاته. لكن المحكمة الدستورية الإسبانية أصدرت حكماً بمنع إجراء الاستفتاء، مما اضطر الحكومة الكاتلونية للتراجع جزئياً، إذ أبقت على الموعد الزمني للعملية قائلةً إنها مجرد «استشارة شعبية رمزية». وقد شهدت «الاستشارة الرمزية» انتصاراً قوياً لدعاة استقلال كاتلونيا، والذين جعلوا أيضاً من الانتخابات المبكرة في 27 سبتمبر الماضي استفتاءً آخر على مصير الإقليم، حيث حصلوا على 72 من أصل 135 مقعداً في برلمان الإقليم. وفي حملته الدعائية للانتخابات، وعد «ماس» باستقلال كاتلونيا عن إسبانيا بحلول 2017 على أبعد تقدير، كما دأب منذ عام 2012 على المطالبة باستفتاء لتقرير المصير شبيه باستفتائي كيبيك في كندا واسكتلندا في المملكة المتحدة. وإن لم يكن القضاء الإسباني ليحاسب «ماس» على مواقفه ودعواته ووعوده السياسية، فقد اعتبر أن الدعوة للاستفتاء من شأن الحكومة الإسبانية، وأن أي إجراء عملي لفصل كاتلونيا عن إسبانيا مخالف للدستور الإسباني.. ومن هنا تم توجيه الاستدعاء للزعيم الكاتلوني للمثول أمام القضاء الإسباني. إلا أن مطلب الانفصال في كاتلونيا يتجاوز «ماس» ليمثل حلماً لغالبية كبيرة من الكاتلونيين الذين يعتبرون أنفسهم أمة لها تاريخ ولغة وثقافة، لكنها ضحية تهميش وتمييز تاريخي. فقد حصل الإقليم على الحكم الذاتي عام 1931 في ظل الجمهورية الإسبانية الثانية، لكنه ألغي عام 1936 حين آل الحكم للجنرال فرانكو الذي قمع جميع الأنشطة الكاتلونية. ورغم إعادة العمل بقانون الحكم الذاتي لكاتلونيا عام 1979، فإن الحكومة التي أعقبت الانقلاب العسكري الفاشل عام 1981 أقرت بالخصوصية الإقليمية لإقليمي الباسك ونافارا في تحصيل ضرائبهما، لكنها استثنت كاتلونيا من هذا الحق. وقد تجدد استياء الكاتلونيين في الآونة الأخيرة مع الخصومات الضريبية التي فرضتها عليهم الحكومة المركزية في مدريد، والبالغة 10? من الناتج المحلي للإقليم، والذي يقوم بتحويل 20 مليار يورو إلى الحكومة المركزية، مما يؤدي إلى إفلاس الإقليم ويضطر حكومته لانتهاج سياسة تقشفية يترتب عليها انخفاض في مخصصات الصحة والتعليم وغيرهما من القطاعات الخدمية المهمة. لقد ازدهر إقليم كاتلونيا في كثير من جوانب الحياة، وأصبح المنطقة الاقتصادية الرائدة في إسبانيا، وبات يمثل ناتجه 20? من الناتج القومي الإسباني، رغم أن مساحته لا تزيد عن 6? من مساحة اليابسة الإسبانية، وسكانه 15? فقط من مجموع السكان. كل ذلك عزز النزعة الانفصالية لدى الكاتلونيين، في اليمن واليسار على حد سواء، حيث أظهر في استطلاعات الرأي الأخيرة نحو 57? من سكان الإقليم دعمهم للاستقلال التام عن إسبانيا. وهؤلاء هم من منحوا أصواتهم الانتخابية في الاقتراع الأخير لدعاة خيار الانفصال، وعلى رأسهم «ماس» الذي سيتولى رئاسة الإقليم لولاية جديدة مدتها أربع سنوات، لكنه يواجه عوائق تصعِّب عليه تنفيذ وعوده، منها انهيار الاتحاد مع حزب «الاتحاد الديمقراطي الكاتلوني» الذي بدأ يعيد النظر في أجندة الانفصال، فضلا عن قرارات القضاء الإسباني الذي سبق أن اعتبر الإجراءات المقام بها من جانب «ماس» مخالفةً للدستور، بل «عصياناً مدنياً»، وعلى أساسها يقوم الآن بمساءلته وربما إدانته! محمد ولد المنى