بعد مضيّ أسبوع على التدخل الروسي في الشأن السوري، يسعى مستشارون كبار في البيت الأبيض ومجلس الأمن القومي لإقناع أوباما بضرورة إعادة تقييم الدور الذي تلعبه الولايات المتحدة هناك، وتركيز الاهتمام على إيقاف دورة العنف، والتخلي عن فكرة إسقاط النظام السوري. وفريق أوباما المتخصص بإدارة السياسة الخارجية لم يعد يشك على الإطلاق في أن الرئيس الروسي يدعم بقاء بشار الأسد ويعمل كل ما في وسعه على استهداف فصائل المعارضة المعتدلة بدلاً من تنظيم «داعش» بمن فيهم أولئك الذين تلقوا تدريبهم على أيادي خبراء وكالة المخابرات المركزية. ولا شك أن الإدارة الأميركية سجلت تأخراً كبيراً في التوصل إلى هذا الاستنتاج، وبالرغم من تحذيرات متتابعة صادرة عن وكالات المخابرات الأميركية من أن بوتين كان مصمماً على إبقاء الأسد في السلطة، قرر البيت الأبيض اختبار فكرة التعاون مع روسيا على أرض المعركة. وخلال الصيف الماضي وحتى بداية الخريف، أكد كبار المسؤولين الروس، بمن فيهم بوتين خلال اجتماعه بالرئيس أوباما على هامش أشغال الجمعية العامة للأمم المتحدة، بأنهم لا يعتزمون الإبقاء على الأسد في السلطة لفترة طويلة، ولن يستهدفوا خلال تدخلهم في سوريا إلا مقاتلي «داعش». إلا أن هؤلاء المسؤولين الأميركيين ما عادوا يصدقون بأن روسيا تقول الحقيقة. بوتين كان خلال الأشهر الماضية منشغلاً بالتخطيط للتدخل في روسيا بالتعاون مع مسؤولين إيرانيين، وكان يحاول عن عمد تضليل الغرب فيما يتعلق بنواياه الحقيقية. وأما الآن، فلقد أصبح الأمل في تعاون أميركي - روسي حول هذا الملف منعدماً تماماً، وفي هذا الوقت بالذات، استبعد أوباما أي احتمال للتورط في نزاع عسكري مع قوات بوتين، وهذا ما جعل الخيارات السياسية المتاحة أمامه قليلة جداً، ويقضي أحد الخيارات بالبحث عن طريقة ما للتخفيف من ضراوة الصراع القائم في سوريا يعقبها وقف محلي لإطلاق النار وذلك بالتفاوض مع نظام الأسد. وفي معرض توضيحه لهذه النقطة، قال لي أحد كبار المسؤولين في الإدارة الأميركية: «يعتقد البيت الأبيض الآن أن في وسعنا التخفيف من حدّة الصراع الدائر على الأرض مع الإبقاء على الأسد في السلطة». وعلى أن هذه الفكرة التي تحظى بتأييد كبار المستشارين الأمنيين في البيت الأبيض بمن فيهم كبير المنسقين في الشرق الأوسط «روب ماللي»، ليست جديدة، إلا أنها برزت من جديد وأعيد إحياؤها بعد التدخل الروسي. وإذا بقي الأسد في السلطة من دون وجود عملية سياسية تلوح في الأفق، فسوف يقتصر موقف الولايات المتحدة على التخفيف من معاناة الشعب السوري والتصدي لاحتمال تفاقم أزمة اللاجئين. وكانت فكرة الوقف الجزئي لإطلاق النار تُطبّق بشكل متقطع خلال فترة الحرب وخاصة في المناطق الخاضعة لسلطة الأسد. وكان مبعوث الأمم المتحدة إلى سوريا يركز على هذه الفكرة منذ أكثر من عام. وقال «فيليب جوردون» الذي خلف «ماللي» كرئيس للجنة الأمن القومي، في مقال نشره مؤخراً: «أصبحت سياسة الولايات المتحدة وشركائها التي تهدف إلى زيادة الضغط على الأسد حتى يوافق على الجلوس إلى طاولة المفاوضات والتفاوض على رحيله، تحتاج إلى إعادة نظر». ويوم الخميس الماضي، قال السيناتور الديمقراطي وعضو لجنة الخدمة المسلحة في الكونجرس «جاك ريد» في تصريح صحفي: «ما يحدث في سوريا شبيه بما يحدث في أوكرانيا، وحيث تخفي روسيا نواياها الحقيقية من خلال الادعاء بأنها تشارك التحالف الدولي حربه ضد تنظيم داعش بالرغم من أن هدفها الرئيسي هو دعم نظام الأسد». ـ ـ ــ ـ ـ ـ جوش روجين محلل أميركي متخصص في العلاقات الدولية ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيرز سيرفس»