د. شملان يوسف العيسى دول «الربيع العربي» شهدت بروز حركات إقصائية لا تؤمن بالتحول الديمقراطي، مثل «الإخوان» و«داعش» وغيرهما عقد في مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية في مدينة أبوظبي يومي 6 و7 أكتوبر الحالي مؤتمر متميز حول «بناء الدولة.. تحدي ما بعد انتهاء الصراعات الداخلية في دول التغيير العربية». وقد حشد المركز نخبة من المفكرين وأساتذة الجامعات الأميركية، وألقى سفراء ومسؤولون سابقون في المنطقة العربية كلمات حول حصيلة تجربتهم الشخصية والعملية في كل من سوريا والعراق وليبيا واليمن. وقد شاركت شخصياً بورقة بحثية عن المصالحة الوطنية وأهميتها في تحقيق الأمن والاستقرار في دول «الربيع العربي». لقد أثرنا عدة تساؤلات حول المصالحة الوطنية، ولماذا نجحت في كل أرجاء المعمورة وفشلت في الوطن العربي؟ التجارب في كل من جنوب أفريقيا ودول أميركا اللاتينية وآسيا (وعلى رأسها التجربة الكمبودية) انتهت بتقديم المجرمين للمحاكمات، وتمت المصالحة والتسامح وبدأ العمل ببناء الدول الجديدة. لكن لماذا فشلنا نحن العرب؟ وما هي الأسباب أو المعوقات؟ من أهم الأسباب ما يلي: (1) ضعف الثقافة السياسية: فالمصالحة لا تتحقق إلا إذا توفرت لها شروط النجاح، ومن أهمها المحاسبة القانونية لجميع الأطراف والتنازل عن بعض المطالب ونسيان الماضي، وبدء الاستعداد للمستقبل. نحن العرب لا نملك ثقافة ديمقراطية تسمح لنا بالتسامح والتعالي على مشاكلنا السابقة، فعقلية الإقصاء والاستبداد لا تزال مهيمنة، وهناك افتقار لمقومات التسامح والتوافق التي تحتاجها المصالحة الوطنية. (2) عقلية الانتقام: وهي أحد الأسباب الرئيسة التي عطلت المصالحة الوطنية، فبدلاً من التسامح ونسيان الماضي تعمقت الانقسامات في العراق وليبيا، حيث تم سن قانون اجتثاث «البعث» في العراق وتمت ملاحقة وزراء صدام وكل منتمي حزبه وأنصارهما، وامتدت سياسة الانتقام إلى السنة ومناطقهم، مما خلق فتنة في المجتمع العراقي بسبب سياسة الانتقام التي أضرمها «حزب الدعوة الإسلامي» بقيادة نوري المالكي. وفي ليبيا تم إصدار قانون «العزل السياسي» لملاحقة كل الذين عملوا في نظام القذافي، وكذلك قبيلته وبعض المناطق الموالية له سابقاً.. مما منع المصالحة الوطنية. (3) تداخل الهويات: في كل دولة توجد عدة هويات عرقية وقومية ودينية ومذهبية وقبلية وغيرها.. وتعدد الهويات عنصر قوة في الدول الديمقراطية، أما الوطن العربي فهو سبب ضعف الحكومة وانهيارها، حيث تبرز الولاءات الجانبية مما يخلق فجوات وصراعات في المجتمع الواحد. (4) الاستحواذ السياسي وإقصاء الآخر: لقد شهدت دول «الربيع العربي» درجات متفاوتة من العنف والإرهاب بعد الثورات والانتفاضات الشعبية بسبب تردي الأوضاع الداخلية، مثل مصادرة الحريات، وتفشي البطالة والفقر، وبروز حركات سياسية إقصائية جهادية مثل تنظيم «الإخوان المسلمين» و«داعش» وغيرهما.. فهذه الحركات لا تؤمن بأهمية التحول الديمقراطي، بل ترى أن الوقت قد حان لتحقيق حلمها في إقامة دولة الخلافة الإسلامية.. لذلك حاربت هذه الجماعات من يخالفها في الرأي أو الدين أو المذهب أو الفكر.. مما أدى إلى الحروب الأهلية بدلاً من لغة الحوار العقلاني. (5) التدخلات الأجنبية: وهي من الأسباب التي أدَّت إلى فشل المصالحة الوطنية، فالدول العظمى مثل الولايات المتحدة وروسيا تتدخل في شؤون العراق وسوريا واليمن وليبيا، وكذلك تتدخل دول الإقليم الكبرى، مثل تركيا وإيران وإسرائيل، لمنع المصالحة بين أبناء الشعب الواحد. فالتدخل الإيراني في العراق وسوريا واليمن ولبنان، منع المصالحة الوطنية. ما يحتاجه العرب اليوم هو مصالحة وطنية ترسخ مفهوم سيادة القانون والمحاكمات العادلة، من خلال قانون العدالة الانتقالية الذي يشمل: اكتشاف الحقيقة، ومحاسبة المسؤولين، وإنصاف الضحايا، وإصلاح المؤسسات.. حتى لا تتكرر المشاكل السابقة. أستاذ العلوم السياسية -جامعة الكويت