صحيفة الاتحاد

وجهات نظر

الاتفاق النووي الإيراني.. التعالي الإمبراطوري وصراع «الدولة» و«الثورة»

قد تبدو منطقة الشرق الأوسط للكثيرين في الوقت الحاضر مشتتة، وحتى في حالة فوضى عارمة، فالأحداث تسير بوتيرة متسارعة، ولكن أيضاً في اتجاهات مختلفة، حتى أن بعضنا يصف هذه المنطقة حالياً بأنها تجسيد لتاريخ يسرع الخطى كأن المستقبل معنا بالفعل.

إذا استثنينا الانتفاضات العربية مع بداية العقد الثاني لهذا القرن، وما تمخض عنها من آثار، فإن الاتفاق النووي مع إيران يشكل حالياً أحد أهم أحداث هذا العقد الثاني للقرن الحادي والعشرين، ومثله مثل الانتفاضات العربية ستمتد آثاره - سلباً وإيجاباً - في العقد القادم، فالاتفاق النووي لا يتعلق فقط بما يسمى أسلحة الدمار الشامل، ولكن أيضاً بوضعية دولة مهمة ليست فقط في منطقة الخليج، ولكن في منطقة الشرق الأوسط ككل.

وللتذكرة كانت الثورة الإسلامية الإيرانية نفسها حدثاً مهماً في أواخر القرن الماضي. فقد تزامنت مع حدث مهم آخر وهو اتفاقية «كامب ديفيد»، ثم معاهدة السلام المصرية - الإسرائيلية في مارس سنة 1979، في حالة التفتت والتشرذم الشديدين التي عاشتها المنطقة العربية بسبب السلام المصري المنفرد وإشعال السادات لحرب باردة عربية شديدة الوطيس، بدت الثورة الإيرانية كرمز للتخلص من إمبراطورية فارسية تاريخية، كما أنها أكدت هوية وتوجهاً مختلفين عن حكم الشاه، وحاولت أيضاً في بداياتها التحالف مع معظم القوى السياسية المعارضة للشاه وحكم «السافاك» وخاصة القوى «اليسارية»، ولكن هذا التوجه التوافقي والتجميعي لم يستمر طويلاً، لينتصر في النهاية توجه الحرس الثوري، وأهمية «تصدير الثورة»، وكما سنرى لاحقاً، فإن هذا التمزق داخل نظام الحكم الإيراني بين «الثورة» و«الدولة» سيكون أحد العوامل المهمة التي ستحدد مصير الاتفاق النووي، وكذلك سياسة طهران الخارجية ودورها إقليمياً وعالمياً.



زحام في البنود

ولنبدأ بهذا الحدث الأهم: الاتفاق النووي الذي تم التوقيع عليه في يوليو الماضي بعد سنوات من المباحثات المضنية بين إيران والـ «5 + 1» (أي الدول الخمس الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن، بالإضافة إلى ألمانيا وأيضاً تمثيل عن الاتحاد الأوروبي)، يتميز هذا الاتفاق بخاصتين على الأقل:

أ- التفصيل والإسهاب المطول. ففي لغته الأصلية (أي الإنجليزية) يبلغ الاتفاق حوالي 176 صفحة، بينما يزيد عدد بنوده عن ذلك بكثير، فبالإضافة إلى 26 بنداً في المقدمة العامة يحتوي الاتفاق نفسه على 37 مادة بعضها غاية في الإسهاب والتحديد، فالمادة 34 مثلاً تحتوي على 5 بنود فرعية، بينما تحتوي المادة 19 على 19 بنداً بداخلها.

إلى جانب الـ 37 مادة هذه في المتن الأساسي هناك 5 ملاحق يبلغ عدد موادها الكلية 342 بنداً. وفي الحقيقة لا أعرف إذا كانت إحدى الدوائر الحكومية أو بنوك الفكر في منطقتنا قد قامت بترجمة هذا الاتفاق ليتم تشريحه وتمحيصه، كما يجب وعلى المستويات المختلفة، فأنا لم أر الإشارة إلى نص عربي حتى الآن.

ب- يُثير هذا الاتفاق عدة نواح رئيسية ذات أهمية لحاضر منطقة الشرق ومستقبلها، كما هو المتوقع، فإن الجزء الأكبر يتعلق بالموضوع النووي، أي إجراءات منع إيران من إنتاج القنبلة النووية لمدة تتراوح بين 10 و15 عاماً، إن لم يكن أبدياً. وكما هو متوقع أيضاً هو الجزء الأكثر تفصيلاً، خاصة فيما يتعلق بنوعية وعدد المفاعلات الذرية، ووسائل إنتاج البلوتونيوم أو اليورانيوم 235 اللازم لإنتاج القنبلة. يبدو هذا الجزء فنياً للغاية لأنه يتعلق بعملية الحصول على الـ 1% المطلوبة عن طريق تنقية اليورانيوم الخام، والتي يبدو أن طهران لم تنجح في الحصول عليها حتى الآن، ويبدو أن هذا الجزء هو بالضرورة فني، إلا أنه في الحقيقة ذي أهمية سياسية قصوى، ويتبين هذا من تمحيص الجزء الخاص بوسائل التفتيش - بالذات المفاجئ - من جانب الوكالة الدولية للطاقة الذرية، فالإسهاب في تفاصيل غاية في الدقة يعكس درجة كبيرة جداً من عدم الثقة في القيادة الإيرانية الحالية، ويبدو أن هذا التدقيق والإسهاب له ما يبرره. فأثناء حديثي العابر مع بعض المتخصصين الإيرانيين في المهجر، تم التأكيد على أن تاريخ المفاوضات الرسمية وغير الرسمية مع طهران منذ سنة 2003 تخللها الكثير من عدم إعطاء معلومات دقيقة ومحاولات المراوغة والتهرب. النقطة الرئيسية أنه رغم كل هذا الإسهاب الفني، فإن الهدف والأساس هو أهمية العامل السياسي، وهذا هو بيت القصيد كما يقال.



سياسي وليس فنياً

نتيجة غلبة هذا العامل السياسي يمكننا إذن أن نستخلص أنه رغم إبرام الاتفاق، فإن استمراره وتطبيقه لن يكونا بالشيء السهل وسيكون هناك بعض العثرات على الطريق في المستقبل، وقد يتطلب الأمر تهديدات من أحد الأطراف بالرجوع عن تطبيق الاتفاق إلا طبقاً لتفسير معين، وبالتالي الرجوع إلى مائدة المفاوضات المطولة واستشارة الفنيين من الجانبين لإيجاد حل وحتى الوصول إلى هذا الحل، يتم استهلال الكثير من الوقت والطاقة مما يزيد من جو عدم الثقة بين الأطراف المختلفة وزيادة العراقيل في تطبيق الاتفاق حتى نهايته، الاستخلاص الرئيسي إذن هو أنه بالرغم من الإسهابات والإطالة الفنية، فإن العامل السياسي هو الأساس، وأن ساحته لا تزال مفتوحة، وبالتالي، فإن الأطراف التي تود التأثير في هذا الاتفاق - سواء كانت داخلية أو خارجية - لديها كل الفرص لتحقيق هذا، باختصار إن الاتفاق النووي ليس Done Deal، أو صفقة تمت وانتهت، بل هو على الأرجح عملية سياسية في بداياتها. لماذا؟



أجنحة لتحديد مصير الاتفاق

هناك أولاً الأجنحة المختلفة داخل كل طرف، ونرى جزءاً من تعدد الأجنحة في المعركة الدائرة منذ البداية بين الرئيس الأميركي أوباما والكونجرس، وخاصة الأغلبية من الحزب «الجمهوري»، هدد الرئيس بأنه لن يسمح للكونجرس بتعطيل الاتفاق، وأنه قد يضطر إلى استخدام حقه الدستوري في تجاوز معارضة السلطة التشريعية، وحتى الآن نجح في الحصول على التأييد المبدئي.

ولكن الكونجرس سيتدخل مرة ومرات في الموافقة على رفع العقوبات، خاصة من ناحية الترتيب والتوقيت، والتأكيد على ربطه بخطوات التنفيذ الإيراني.

يرتبط بمحاولات الكونجرس هذا الهجوم الصريح والمستمر من جانب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على الاتفاق وتفضيله المعلن للتوجه العسكري. وفي الواقع فإن أسلوب نتنياهو هو أسلوب جديد في العلاقات الدولية، حيث نرى رئيس وزراء دولة أجنبية يتدخل بكل الوسائل في تحديد السياسة الخارجية لدولة أخرى، خاصة دولة عظمى، وذهابه للحديث أمام سلطتها التشريعية دون دعوة من السلطة التنفيذية أو حتى الحديث مع هذه السلطة الأخيرة أثناء وجوده في واشنطن.

بالنسبة لهذا الجانب الدولي هناك بالطبع تردد بعض دول مجلس التعاون فيما يتعلق بنتائج الاتفاق، ليس فقط فيما يخص فعالية منع إيران من امتلاك السلاح النووي، ولكن شعور إيران بالحصول على مكانة متميزة بعد عقد هذا الاتفاق. لا ترتبط هذه المكانة المحورية بالناحية العسكرية، ولكن بالناحية الاقتصادية، وخاصة السياسية، فإن رفع العقوبات سيزيد بقوة من قدرة إيران الاقتصادية والمالية، وبالتالي يكون السؤال المهم هو: كيفية استخدام طهران هذه الموارد المتزايدة؟ هل سيساعدها ذلك في دعم نظام بشار الأسد أو سلوكيات «حزب الله»، ولكن بطريقة أكثر فعالية وشراسة؟

من ناحية أخرى، فإن تزايد زيارات الوفود الأجنبية والطمع في صفقات اقتصادية يزيد من قوة المساومة الدولية من جانب طهران بعد أن أصبحت عضواً دولياً يتم مغازلته ومحاولة كسب وده بدلاً من أن تكون دولة محظوراً التعامل معها، لا شك أن هذا يزيد من شعور طهران بأهميتها ومكانتها المحورية، وقد تكون النتيجة مزيد من الضغط من جانب المتشددين في النظام الإيراني لدفع «تصدير الثورة» وفرض النموذج الإيراني إقليمياً ودولياً.



بين «الدولة» و«الثورة»

وعلى هذا المستوى يثير هذا الاتفاق ومشكلة تبدو أزلية في معظم الدول التي مرت بثورات: وهو الصراع بين الثورة والدولة، فالثورة هي وسيلة احتجاج وتغيير مستمرين، داخلياً وخارجياً، أي أن الثورة لا تود احترام القواعد الدبلوماسية والقانونية التقليدية، بل في الواقع تود التخلص منها وفرض قواعد جديدة والمثل الواضح في حالة إيران هو الهجوم على السفارة الأميركية واحتجاز الرهائن، دون اعتبار لاتفاقيات الحصانة الدبلوماسية، وهناك أمثلة عديدة أخرى فيما يتعلق بالعلاقة مع البحرين أو «حزب الله» تؤكد الأسلوب الثوري بعدم احترام تقاليد دبلوماسية مثل السيادة الوطنية.

أما الدولة - في إيران كغيرها - فهي جزء من نظام دولي له قواعده التي تتأسس على احترام حدود الدول وسيادتها الوطنية، أي المحافظة على الوضع القائم دولياً وليس تغييره ثورياً، وبالتالي يصبح السلوك الإيراني على الساحة الدولية أو داخل الأمم المتحدة لا يختلف كثيراً عن عدد من دول العالم الثالث التي تنتقد النظام الدولي، ولكن في الوقت نفسه تعمل طبقاً لقواعده وليست للإطاحة به.



مجلس التعاون.. «خريطة طريق»

مقولتي الأساسية إذن هي أن الاتفاق النووي هو - بالرغم من تفاصيله وإسهاباته - ليس مجرد مرحلة تمت وانتهت، بل هو جزء من عملية سياسية لم تنته بالمرة، بل قد تكون في بداياتها، ولا تزال مجهولة التوجه، فهي قد تتعثر في بعض مراحلها، وتبدأ ولا تزال مجهولة التوجه، فهي قد تتعثر في بعض مراحلها ونبدأ من جديد، أو تستمر وتخلق جواً جديداً في العلاقات الإقليمية والدولية، حيث تنتصر في طهران «الدولة» على «الثورة».

وبما أن معظم دول مجلس التعاون هي الأكثر تأثراً بما يحدث، فإنها يجب أن تتخذ كل التدابير لتكون لاعباً حاسماً على هذه الساحة وتؤثر في توجهات هذه العملية السياسية البازغة ومسيرتها، بما يضمن بناء الأمن والأمان، بما يعنيه ذلك من معانٍ.

الاتفاق النووي: شرح وتشريح

هذا الصراع بين الثورة والدولة، وأجنحة الحكم المتعددة التي ترتبط بكل منهما، لن يهدأ قريباً، وفي الواقع سيستمر كل طرف في تفسيره للاتفاق على أنه نصر لتوجهه السياسي وحتى الإصرار على الالتزام بهذا التوجه طالما أن إبرام الاتفاق على هذا النحو أثبت جدوى هذا التوجه. وهكذا سيقول الجناح الذي يمثل الدولة أن له الفضل الأول في عدم القطيعة مع النظام الدولي مهما كانت نقائصه وعيوبه، وبالتالي لم يتم فقط تحسين صورة إيران الدولية، بل تدعيم مكانتها عالمياً كما يتضح ذلك من هرولة كثير من الوفود الغربية، حتى قبل أن يتم رفع العقوبات المفروضة ووصول بلايين الدولارات بعد وضع حد لتجميدها، وهكذا يبدأ تعافي الاقتصاد الإيراني بعد سنوات من الضعف المتزايد والمعاناة.

وهكذا يبدأ المجتمع الإيراني نفسه في تعدي مرحلة الإنهاك بعد أن وضع حداً للخصومة مع القوى الكبرى في العالم.. أما جناح «الثورة مستمرة» فسيصر هو الآخر أنه إذا لم يكن هناك العزيمة والتوجه الثوري وهذه «الوقفة الصلبة» مع «الشيطان الأكبر» لما كان هناك مشروعات نووية، ولما كان هناك جهود من الدول الكبرى لخطب ود طهران ثم الجلوس إلى مائدة المفاوضات للمساومة ومحاولة إرضاء مطالب النظام الإيراني، يردد إذن جناح الثورة أن «رضوخ واشنطن» لإرادة الثورة الإيرانية سينتهي في النهاية باسترداد هذه الأموال الضخمة، وبالتالي ستسهم هذه الأموال في تدعيم مكانة متميزة لإيران إقليمياً وعالمياً، وبالتالي تدعيم السلوك الثوري، باختصار سيروج جناح «الثورة مستمرة» لمقولة إن إيران الآن قوة عظمى في المنطقة، ويجب أن تضع الأموال المستردة والإمكانيات الجديدة لتدعيم هذه المكانة الدولية المتعاظمة، وفي خدمة الثورة.

يجب أن نتذكر أن هذا النقاش لا يقتصر على جناحين فقط داخل كل من دائرة الحكم والمجتمع الإيراني ككل، لأن كل جناح من هذين الجناحين له أتباع، سواء في المؤسسات الرسمية للحكم والإدارة وكذلك في شبكات غير رسمية ولكنها قوية أيضاً، نظام الحكم الإيراني إذن يُعاني من التشرذم رسمياً وغير رسمي.

فمثلاً هناك رئيس الجمهورية والذي يتم انتخابه طبقاً للقواعد المعمول بها في معظم الدول الغربية، ولكن هناك أيضاً المرشد الأكبر الذي يتم اختياره مدى الحياة، والذي يستند اختياره إلى رجال الدين، هناك أيضاً البرلمان المعروف بمجلس الشورى الإسلامي ولكن هناك أيضاً مجلس الخبراء والذي يتكون أساساً من رجال الدين، بل هناك الجيش الوطني الذي يوجد مثله في جميع دول العالم، ولكن هناك أيضاً الحرس الثوري أو البسدران، والذي يكون رئيسه في الواقع أقوى من القائد العام للقوات المسلحة، وهذا الحرس الثوري ركيزة التعامل مع قوى عسكرية شيعية مثل «حزب الله» في لبنان، أو يتعامل مع واقع عسكري في الخارج لتدعيم سياسة طهران على الأرض مثل ما يحدث في سوريا حالياً، وقد يكون هو الوضع أيضاً في ما يحدث حالياً في اليمن.

ما بعد الاتفاق النووي

لا يمكن النظر لنظام الحكم في إيران على أنه كتلة واحدة صماء، بل عبارة عن عدد من الأجنحة الرئيسية وتابعيها من الأجنحة الفرعية التي ترتبط بمركز القرار وتكون أيضاً حلقة وصل مع قواعد شعبية ويكون الخلاف بين هذه الأجنحة في ظاهرة عقائدياً كما يتضح من تحليل الصحف وأجهزة الإعلام الإيرانية، وكما هو الحال في الحقيقة في أي نظام حكم يرتكز على قاعدة عقائدية كما كان الحال في الاتحاد السوفييتي السابق أو ثيوقراطياً دينياً كما هو الحال في إيران المعاصرة، ولكن بعكس هذا الظاهر، فإن الباطن والحقيقة هو أن صراع الأجنحة سياسي في المقام الأول ويعكس رغبة كل جناح وممثليه في الحصول على أكبر قدر من القوة والمكانة السياسيتين لكي يؤثر في القرار في نهاية الأمر.



السلوك الإمبراطوري الإيراني

في الواقع لم يخترع نظام الحكم في إيران شيئاً جديداً في استخدام السياسة الخارجية كوسيلة - ديماغوجية في كثير من الأحيان - لتوحيد الجبهة الداخلية وبناء توافق سياسي بين الأجنحة المتصارعة، فأدبيات العلاقات الدولية كحقل علمي تتكلم عما يسمى «تدجين السياسة الخارجية من أجل السياسة الداخلية»، وفعلاً نرى في واقع العلاقات الدولية وممارساتها كثيراً من النظم السلطوية التي تقوم ببعض التحركات الدولية بطريقة ديماغوجية وتحظى ببعض التأييد الشعبي لتوحيد الجبهة الداخلية، كيف ينطبق هذا على الوضع الإيراني بعد الاتفاق النووي؟

تحليل الكتب التي سلطت الضوء على الشخصية الفارسية وعلم الاجتماع الإيراني يوضح بما لا يدع مجالاً للشك أن هناك شعوراً عام لدى الإيرانيين في غالبيتهم بأنهم دولة متميزة تضرب بجذورها الفارسية العميقة في التاريخ القديم، وهذا لا يرتبط بنظام الحكم الحالي فقط في طهران، لأنه كان موجوداً قبل ثورة 1979، ولنتذكر فقط المبالغ الباهظة والأبهة المبالغ فيها التي أحاطت باحتفالية الشاه في سبعينات القرن الماضي بالذكرى الـ2500 لتأسيس الإمبراطورية الفارسية وكيف أنه نفسه ظهر بملبس إمبراطور من العصور الوسطى الذي لا يعفى عليه الزمن، ولنتذكر أيضاً أن احتلال الجزر الإماراتية الثلاث طنب الصغرى وطنب الكبرى وأبو موسى لم يبدأ مع النظام الإيراني الإسلامي، ولكن مع نظام الشاه نفسه، أي أن هناك سلوكاً متأصلاً يقوم بتدجين الشعور العام بتميز إيران ليس فقط كدولة أو ثورة، ولكن كإمبراطورية متميزة عن بقية دول الجوار، وخاصة الدول حديثة الاستقلال في منطقة الخليج.

قد تختلف وسيلة إظهار هذا الشعور بالتميز المبالغ فيه والمهيمن وقد يتم تغليفه بالقالب الديني أو المذهبي مثلاً، ولكن جوهر شعور التعالي والغرور نفسه هو الأصل الذي لا يتغير.

وعلى الرغم من أن إيران - الثورة تُصر على اعتبار أميركا الشيطان الأكبر طبقاً لأيديولوجيتها ضد الغزو الأميركي للعراق في مارس 2003، إلا أنها في النهاية استغلت هذا الغزو لتخرج بفوائد ومكاسب لم تكن تتوقعها وبهذا الحجم، فقد تخلصت من أحد أكبر أعدائها - الرئيس العراقي السابق صدام حسين - الذي استدرج طهران في أطول حرب منذ حرب الثلاثين عاماً في القرن السابع عشر، فالحرب العالمية الأولى (1914-1918) لم تزد عن 5 أعوام، والحرب العالمية الثانية (1939-1945) عن 6 أعوام، بينما استمرت الحرب العراقية - الإيرانية (1980-1988) ثمانية أعوام، بكل ما ترتب على هذا من خسائر بشرية واقتصادية وفي البنية التحتية في مجتمع خارج لتوه من تقلبات سياسية، كما أدى هذا الغزو ونتائجه إلى تقوية الجماعات الشيعية، ووصولها بكثافة إلى الحكم، بحيث أن العراق بعد الغزو أصبح حليفاً قوياً لطهران إن لم يكن إحدى مناطق نفوذها.

مواصلة السلوك الإمبراطوري هي أيضاً الأساس في التوجه ناحية كل من البحرين وكذلك الحرب الأهلية الدائرة في اليمن، مع أو من دون الحوثيين، ومع أو من دون قوات الرئيس السابق علي عبدالله صالح وذريته، وبالطبع فإن الحرب الأهلية الدائرة في سوريا في عامها الخامس هي أيضا مثال صريح يُجسد هذا الأسلوب الإمبراطوري، الذي يتعدى الدعم السياسي ليكون تدخلاً عسكرياً صريحاً عن طريق قوات «حزب الله»، وكذلك مباشرة عن طريق بعض عناصر الحرس الثوري الإيراني، وفي الواقع فإن الحالة السورية تُصبح حلقة متميزة في هذا الأسلوب الإمبراطوري ذي التوجه المذهبي، فيبدو أن سوريا تشهد حالياً تشبعاً يتعدى الناحية العسكرية وحتى السياسية، ليهدف إلى بعض التغيير في التركيبة الديمغرافية لهذا البلد العربي ذي الأغلبية السُنية، وذلك عن طريق تهجير بعض جماعات السُنة ليحل محلها جماعات شيعية، وفي الحقيقة فإن مثل هذه الأنباء ذات خطورة خاصة، ليس فقط لسوريا ولكن للمنطقة.

نحو خريطة عمل لمجلس التعاون

هدف هذا التحليل تجاوز سرد وقائع الاتفاق النووي الإيراني للقيام بشرحه وتشريحه، بهدف المساعدة على توقع ما يحدث من نتائج في المستقبل القريب، والنتيجة الأساسية لتاريخ المفاوضات ثم الوصول إلى هذا الاتفاق الذي يتسم بالإسهاب في التفاصيل هو أن توقيع هذا الاتفاق ليس بالمرة نهاية المطاف، بل هو نهاية مرحلة فقط وجزء من عملية لم تنته بالمرة، بل قد تكون في بداياتها فقط، ثم إنها مجهولة التوجه، فهي قد تتعثر في بعض مراحلها ونبدأ من جديد، ومن أهم العوامل التي ستحدد مصير تطبيق هذا الاتفاق هو ما يحدث داخل نظام الحكم الإيراني نفسه، وخاصة الحرب الباردة بين «الدولة» و«الثورة»، الأجنحة المختلفة التي تمثل كل منهما، ومن الملاحظ أن هذا هو من أهم الموضوعات التي تم إهمالها في تحليل الاتفاق النووي ونتائجه، هذا الإهمال القائم على اعتبار النظام الإيراني ككل متجانس وصندوق أسود، بدلاً من فتح هذا الصندوق وتحليل جماعاته وأجنحته لأن هذا سيحدد السلوك الإيراني الخارجي في مرحلة ما بعد الاتفاق، وقد أسميته السلوك الإمبراطوري الذي يضرب بجذوره في تاريخ الإمبراطورية الفارسية، في مواجهة هذا الموقف، ما هو رد الفعل المفضل لدى دول مجلس التعاون التي هي بالطبع الأكثر تأثراً بهذا الاتفاق أو الإطار؟

التأثير في المحددات !

عدم الانتظار للتعامل مع النتائج بل العمل للتأثير في هذه النتائج قبل حدوثها وخروجها للعلن، فالنتائج هي أعراض، ولذلك يجب العمل على محاولة التأثير في المحددات نفسها، ومن هنا أهمية فتح الصندوق الأسود في إيران أو الولايات المتحدة على أساس أنهما الطرفان الرئيسيان في هذا (الاتفاق - الإطار)، أي أهمية معرفة الأطراف المختلفة في داخل كل دولة أو مجتمع التي تحاول تسهيل أو عرقلة تطبيق الاتفاق، وما هي أسباب هذا التوجه، ثم ما هي وسيلة عملها المعلنة وغير المعلنة.. يتطلب هذا تحليل مضمون التصريحات الرسمية، ولكن أيضاً لأجهزة الإعلام الرئيسية بكل توجهاتها، حتى لا نفاجأ بالنتائج، بل يتم الاستعداد لها بالاستشرافات أو السيناريوهات المختلفة، ومن أفضل السيناريوهات إلى أسوأها.

وينبغي كذلك العمل المباشر وغير المباشر داخل النظامين الأميركي والإيراني، مع الأجهزة الحكومية بالطبع بأجنحتها المختلفة، ولكن مع منظمات المجتمع المدني، فمثلاً التعامل مع إيران يكون مرتكزاً ليس فقط على عمليات الردع لأي مجهودات تترجم الأسلوب الإمبراطوري إلى أسلوب توسعي فاضح، ولكن أيضاً ما يُسمى بناء إجراءات الثقة، ولكن يجب تطوير هذه الإجراءات والخطوات أي إجراءات الأمن والأمان، بكل ما يتضمن هذا التعبير من معنى ومغزى، أي لا يقتصر السلوك الأمني على النواحي والجوانب العسكرية، ولكن يشتمل على أي سلوكيات عدائية بما فيها النواحي السياسية والإعلامية، ولكن حتى أمور مثل استخدام أو إساءة استخدام فتاوى وآراء دينية، وحتى يتم تهيئة الجو لمناقشة بعض الخلافات الجذرية.

الكاتب

شارك برأيك

هل تعتقد أن المعركة المرتقبة في إدلب ستكون بالفعل "خاتمة" الحرب السورية؟

هل تعتقد أن المعركة المرتقبة في إدلب ستكون بالفعل "خاتمة" الحرب السورية؟