باتت الحاجة إلى وضع العالم على مسار يتسم بقدر أكبر من المرونة والاستدامة، أشد إلحاحاً الآن أكثر من أي وقت مضى. فالتطور الاقتصادي المتسارع والنمو الهائل في أعداد السكان يفرضان ضغوطات جسيمة على موارد الأرض الطبيعية، وعلى مظاهر التنوع البيولوجي للكوكب الذي نعيش عليه، وبالطبع على طريقتنا في العيش. وأصبحت العواقب المترتِّبة على النظم البيئية والمجتمعات التي تعتمد عليها مقلقة إلى حد كبير، فالحقيقة التي لا ينبغي أن تغيب عن أذهاننا هي أننا لا يمكننا الاستمرار على المنوال نفسه. بحسب برنامج الأمم المتحدة للبيئة، ستحتاج البشرية إلى ما يعادل قدرة كوكبين مثل كوكب الأرض حتى تتمكن من سد احتياجاتها حتى عام 2030. وفي ظل التوقعات بوصول سكان العالم إلى نحو 9 مليارات نسمة بحلول عام 2050، فإن الطلب على الموارد الطبيعية الآخذة في التناقص مثل المياه العذبة، والأراضي الصالحة للزراعة، والنفط، والمعادن، وغير ذلك من موارد، سيواصل الارتفاع. لذا، بات التغيير أمراً حتمياً لا مفر منه. للحفاظ على استدامة الكوكب الذي نعيش عليه، وضمان قدرة المجتمعات على الاستفادة الكاملة من إمكاناتها، ينبغي علينا جميعاً - حكومات وقادة أعمال ومجتمع مدني - أن نبادر بتغيير أساليب معيشتنا لتكون أكثر استدامة. وعلينا أن نتكاتف معاً لتغيير مسارنا، وتبنِّي التنمية المستدامة كأسلوب حياة ومبدأ نعيش به على هذا الكوكب. يشكِّل اعتماد «أهداف التنمية المستدامة»، الذي أعلن عنها في الجمعية العمومية للأمم المتحدة مؤخَّراً، محطة محورية على خارطة التنمية المستدامة وحماية الكوكب، حيث تعتبر تلك الأهداف بمثابة المبادئ التوجيهية لأجندة التنمية لما بعد 2015. ووفقاً لأهداف التنمية المستدامة، سيتم تصنيف الدول الأعضاء في منظمة الأمم المتحدة حسب قدرتها على تحقيق الأهداف والغايات المتفق عليها، والمؤشرات الكمية ذات الصلة. ويمثِّل ذلك نقطة تحول على صعيد الدور الذي تلعبه البيانات في تحقيق التنمية المستدامة. ومع اتساع نطاق هذه الأهداف ما بين استراتيجيات التخطيط الحضري والبنى التحتية ومعايير الحوكمة، إلى عدم المساواة في الدخل وتغير المناخ، فإن تحقيق أهداف التنمية المستدامة السبعة عشر وغاياتها المئة والتسعة والستين، ليس بالمهمة السهلة، حيث ستعتمد بشكل كبير على المعلومات النوعية المتكاملة الشاملة، كعامل من عوامل التغيير، وكوسيلة لمتابعة التقدم المحرز. ويبقى الركن الأساسي لنجاح هذه الأهداف هو قابليتها للتحقق والقياس. منذ تأسيسها عام 2002، كان الهدف وراء مبادرة أبوظبي العالمية للبيانات البيئية (أجيدي) هو تسهيل الوصول إلى البيانات البيئية النوعية من أجل دعم عملية اتخاذ القرار. كما أن المبادرة شريك مؤسس لحركة «عين على الأرض»، العالمية، التي تلتزم بسد فجوة البيانات لدعم اتخاذ القرارات بصورة واعية من أجل تحقيق التنمية المستدامة. عقدت قمة «عين على الأرض» الأولى في أبوظبي عام 2011 عبر شراكة بين هيئة البيئة - أبوظبي، ومبادرة أبوظبي العالمية للبيانات البيئية، وبرنامج الأمم المتحدة للبيئة. وقد مهَّد ذلك إرساء إعلان «قمة عين على الأرض 2011» – الذي يضم 14 مبدأً توجيهياً توضح كيفية دمج وتحسين البيانات من أجل تحقيق التنمية المستدامة. وقد أيدت الإعلان 48 دولة. كما تم خلال قمة 2011 اختيار ثماني مبادرات خاصة يشكِّل أعضاء مجتمعها ومشاريعها الطموحة في شتى أنحاء العالم، ركيزة أساسية لتحقيق رسالة حركة «عين على الأرض». يساهم تبني مبادرات عالمية مثل «قمة عين على الأرض»، في اكتساب دولة الإمارات العربية المتحدة معارف هائلة تساعد على دفع جهودنا في مجال التنمية المستدامة. فعلى سبيل المثال، ساهم المشروع الوطني للكربون الأزرق، والذي يبحث في الدور الحيوي الذي تلعبه النظم البيئية الساحلية في الحد من تداعيات التغير المناخي، بنجاح في تحسين القدرات المحلية لقياس ورصد معدلات الكربون في أشجار القرم، والحشائش البحرية، والسبخات المالحة. والأهم من ذلك، هو دمج هذه البيانات والاستفادة منها في عملية تطوير السياسات المحلية والوطنية لتأمين الحماية المستدامة لهذه البيئات. منذ ذلك الحين، توسَّع التحالف الذي أسَّس «عين على الأرض» ليضم شركاء رئيسيين مثل: منظمة فريق رصد الأرض (GEO)، والاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة (IUCN)، ومعهد الموارد العالمية (WRI). ويشكِّلون معاً تحالف «عين على الأرض» الذي يواصل حشد مجتمع عالمي من الشركاء، والمؤسسات والجهات الداعمة من القطاعات الحكومية والخاصة وغير الحكومية، ومن المجتمع المدني لتسخير ثورة البيانات من أجل دعم جهود التنمية المستدامة. يلتقي مجتمع البيانات هذا في أبوظبي هذا الأسبوع للمشاركة في الدورة الثانية من قمة «عين على الأرض»، بهدف تسليط الضوء على الدور الذي يمكن للحكومات والتكنولوجيا والمجتمع العلمي والمواطنين أن تلعبه في سد فجوة البيانات، وتحسين الوصول إلى البيانات النوعية. وفي نحو 30 جلسة نقاشية على مدار ثلاثة أيام، ستتعرَّف الوفود المشاركة إلى الإمكانات التي تزخر بها البيانات والمعلومات للتأثير بشكل كبير في اتخاذ قرارات تساعد على فك الارتباط بين النمو الاقتصادي ومعدل استهلاك الموارد الطبيعية. لقد أدركت البشرية أهمية التأثير الفعلي للبيانات البيئية وبيانات النمو والتطوُّر عندما يتم تحويلها إلى معارف تخدم عملية صناعة القرار على المستويين المحلي والعالمي، حيث يتم مقارنة تأثيرها المحتمل بالآثار التي أحدثتها ثورة الجينوم البشرية، ما يعكس أهمية وقيمة البيانات البيئية. ويبقى التعاون بين الشركاء المعنيين في الحكومات، والميدان الأكاديمي، والمجتمع المدني العنصر الأهم والأبرز في نجاح أهداف وطموحات «عين على الأرض». ومن دواعي فخرنا في دولة الإمارات العربية المتحدة أن نقدم الدعم لهذا التحالف العالمي، وبالتالي المساهمة في تسريع عملية التحول نحو مستقبل أكثر استدامة. الأمين العام لهيئة البيئة- أبوظبي