ما يقوم به «الحوثيون» في اليمن حالياً من قتل ومجازر وسلب وتشريد واعتداءات على أبناء الشعب اليمني في المناطق التي لا زالت تحت سيطرتهم بعد أن شعروا بقرب الهزيمة العسكرية واقتراب المنية السياسية والمعنوية ليس بجديد عليهم، فهم أصحاب حركة طائفية أساس فكرها الذي قامت عليه يرتكز على العنف والتمرد ومعاداة السلطة المركزية وكل من لا ينتمي إلى طائفتهم.. فعندما قامت حركتهم في أوائل تسعينيات القرن العشرين كانت معادية لنظام حليفها الحالي علي عبد الله صالح الذي دخل نظامه البائد في حرب شعواء ضدها ولم يستطع القضاء عليها. وعندما جاء نظام الحكم الانتقالي بعد الثورة التي أطاحت بالنظام البائد، وبمبادرة سياسية من دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، وتم تعيين الرئيس الشرعي عبد ربه منصور هادي، لكي يعمل على تهدئة الأوضاع المضطربة، وعلى بناء يمن جديد بعيداً عن تسلط العسكر والنزاعات القبلية والطائفية عليه لم يعجب «الحوثيون» ذلك ودخلوا ضده في حرب جديدة مدعومين من إيران التي تعمل جاهدة على زعزعة استقرار المنطقة في سبيل فرض سيطرتها السياسية والعسكرية والأمنية والاقتصادية والثقافية عليها. حركة «الحوثيين» التي سمت نفسها في بداية الأمر بحركة «الشباب المؤمن» بدأت كحلقات دروس صيفية ينخرط فيها الشباب الراغبين في تعلم الجوانب المتعددة للمذهب «اليزيدي»، الذي يشكل المرتكز الأساس لفكر حركة «الحوثيين». لقد تمكنت المجموعة التي عملت في بداية الأمر من فصول تدريس صغيرة أنشئت على مشارف صعدة من تأسيس مراكز لها في جميع أقاليم صعدة خلال سنوات قليلة فقط. ومع نمو المجموعة قامت بتقوية منطلقاتها الدينية – الطائفية والسياسية والعسكرية عن طريق جلب شخصيات مرموقة إلى صفوفها وأخذت في تدريب كوادرها القتالية كميليشيات إرهابية بشكل سريع أدى إلى تمكنها من فرض سيطرتها بالقوة على العديد من مناطق اليمن الشمالية، وأعلنت بشكل مفتوح عن عداءها السافر للسلطة المركزية في صنعاء وذلك بدعم سخي ومؤازرة غير محدودة من إيران مالياً وعسكرياً، خاصة فيما يتعلق بتقديم الأسلحة المتطورة والدعم التدريبي واللوجيستي، وذلك من منطلقات طائفية ومذهبية صرفة وبغرض إيجاد مواطئ قدم وبؤر عسكرية متقدمة في جنوب غرب الجزيرة العربية يتم من خلالها فرض حصار صامت وغير مدرك على المملكة العربية السعودية، وبالتالي دول مجلس التعاون الخليجي الأخرى. لكن هذا الالتفاف الإيراني حول الجزيرة العربية لم يخف مطلقاً على دول المجلس، فمنذ البداية كانت المخاوف من وجود تدخلات ونفوذ إيراني – طائفي في الشؤون اليمنية من خلال «الحوثيين» يمكن ملاحظتها في تحركاتهم في الصراع الدائر في اليمن. فعلى سبيل المثال أمكن إدراك ذلك من خلال شحنات الأسلحة ونوعيتها ومصادرها، لكن ما هو أهم في ملاحظة ذلك هو التغلغل الثقافي والفكري، فمن الهتاف الذي أطلقه «الحوثيون» منذ بداية ظهورهم على الساحة، وهو هتاف إيراني صرف يقول: «الله أكبر، الموت لأميركا، الموت لإسرائيل، اللعنة على اليهود، النصر للإسلام» يمكن القول بأن هذا الهتاف الذي تم تبنيه بشكل رسمي من قبل «الحوثيين» وصاروا يرددونه باستمرار يتجلى ارتباطهم الوثيق بإيران وإعجابهم بما يفعله ويردده المتشددون فيها، ويعكس صحة المخاوف من التهديدات الخارجية المدركة متمثلة في إيران، ويوضح بأن ذراعها طويلة في أوساط الحوثيين. إن إصرار «الحوثيين» على تبني الهتاف كتعويذة لهم، لا يمكن فصله عن مجمل الأحداث الكبرى الجارية في المنطقة، خاصة التمدد الخارجي وفرض النفوذ وكسب مواطئ القدم الذي تمارسه إيران في إطار سعيها الدؤوب لتصدير ثورتها وفرض هيمنتها. فإذا كانت هذه هي المنطلقات الأساسية الأولى التي خرج منها «الحوثيون» والقائمة على أسس طائفية بغيضة وارتباطات مشبوهة بالخارج، فما الذي يتوقع منهم غير العنف والإرهاب والقتل والإساءة إلى الوطن بقصد وتعمد؟.