رغم أن قلوبنا متجهة هذه الأيام إلى الحرمين الشريفين في مكة المكرمة والمدينة المنورة فإن عيوننا يجب أن لا تغفل عن ثالث الحرمين الشريفين، المسجد الأقصى الذي بارك الله حوله وجعله مسرى لرسول الله صلى الله عليه وسلم. كلنا في العالم العربي والإسلامي أصبحنا على دراية كاملة بأن مخططاً إسرائيلياً متكاملاً يجري تنفيذ مراحله خطوة خطوة نحو الغاية المعلنة من جانب المنظمات المتطرفة وهي هدم المسجد وبناء هيكل يهودي على أنقاضه. كذلك أصبحنا جميعاً نعلم أن هذا المخطط تتشارك فيه جميع السلطات الإسرائيلية وأنه غير مقصور على المنظمات غير الرسمية. فلقد لاحظنا مشروع قانون نوقش في جلسات الحكومة الكنيست يهدف إلى التقسيم الزماني للأقصى بحيث يمنع المسلمون من دخوله في أوقات محددة ليتم إدخال مجموعات يهودية بين صلوات المسلمين. طبعاً هذا التقسيم الزماني ليس سوى مرحلة في الخطة الشاملة والتي بعد تثبيتها سيأتي مخطط التقسيم المكاني. يزعم الحاخام «يهودا حليك»، رئيس ائتلاف المنظمات العاملة تحت شعار بناء الهيكل اليهودي، أن المسجد الأقصى هو فقط المسجد القبلي في الحرم القدسي الشريف، وأن مسجد قبة الصخرة المعروف بلون قبته الذهبية موجود بالضبط في المكان الذي يجب أن يبنى فيه الهيكل! ويدعي حاخامات آخرون أنه لذلك الغرض لابد من هدم مسجد قبة الصخرة! طبعاً نحن نرى من وجهة النظر الدينية والتاريخية أن الحرم القدسي الشريف بكل مشتملاته هو تراث إسلامي لا يجب المساس به، ولقد اعترفت الحكومة الإسرائيلية بهذا عندما وقعت معاهدة السلام مع الأردن والتي نصت على أن الأردن هو صاحب الولاية على الحرم القدسي. إن الإسرائيليين مستعدون لارتكاب أي مخالفات للقانون الدولي الذي يمنع سلطة الاحتلال من القيام بأي تغييرات في الأرض المحتلة، بل وهم أيضاً جاهزون لمخالفة المعاهدات التي وقعوها. والدليل الأخير على ذلك هو قيام بعض أعضاء الكنيست بتقديم مشروع قانون عام 2014 ينص على نزع الولاية الأردنية على الحرم القدسي الشريف وإحلال السيادة الإسرائيلية عليه. إن دور الحكومة الإسرائيلية في المخطط شديد الوضوح، فهي توفر للمتطرفين اليهود الحماية اللازمة لدى دخولهم في مجموعات إلى ساحة الحرم القدسي وتخصص لهم قوات من الشرطة تقوم بالاعتداء على المسلمين المرابطين الذين يحاولون منع الاقتحامات كما شاهدنا جميعاً على شاشات الفضائيات. إن ادعاء نتنياهو بأن حكومته تحافظ على الوضع القائم وأنها تقوم بالتزاماتها الدولية هو ادعاء كاذب تدحضه جحافل الشرطة التي تتقدم المتطرفين اليهود وتيسر لهم الدخول من بوابات الحرم وتقوم بإطلاق الأعيرة النارية والمطاطية على المسلمين الذين يتمسكون بالوضع القائم أي قصر الصلاة في الحرم على المسلمين. لقد تحرك الزعماء العرب في أعقاب توارد صور المعارك غير المتكافئة بين المصلين المسلمين الذين لم يكن في أيديهم غير «بمب» الأطفال الذي يُحدث فرقعة صوتية وبين الشرطة الإسرائيلية المدججة بالسلاح. لقد نجم عن هذا التحرك قيام مجلس الأمن الدولي بإصدار دعوة عاجلة لإنهاء العنف والأعمال الاستفزازية وإعادة الوضع إلى ما كان عليه. لاشك أن هذا تحرك عربي محمود، لكن علينا أن نلاحظ أن الإسرائيليين سيفسرون الدعوة كالعادة بما يتماشى مع أطماعهم، وبالتالي سيواصلون دفع مزيد من اليهود إلى داخل الحرم باعتبار أن هذا هو الوضع القائم الجديد. يبقى هنا التساؤل المفتوح الذي يجب أن نتشارك في الإجابة عنه. ماذا يمكن للشعوب العربية والإسلامية أن تفعل؟ ----------------- *أستاذ الدراسات العبرية- جامعة عين شمس