لقد أوصلت رسالة إلى بعض المسؤولين الخليجيين حول الحاجة إلى التعامل بشكل فعال مع الإعلام وتوظيفه لتوضيح دور ومساهمات دول مجلس التعاون الخليجي في التعامل مع الأزمة السورية، وخاصة أزمة اللاجئين، التي باتت اليوم تمتحن أخلاق وقيم أوروبا. وعلينا هنا توضيح دور ومساهمات دول مجلس التعاون، للتصدي للحملة المسيئة التي تنال منا تجاه مأساة العصر هذه، وتداعياتها الإنسانية الخطيرة، حيث أصبح نصف الشعب السوري في الداخل -12 مليوناً- مشرداً أو نازحاً. وربع هذا الشعب لاجئ في الخارج -5 ملايين- ما يجعل سوريا هي الدولة الأولى في تصدير اللاجئين على مستوى العالم، ويجعل دول الجوار السوري، وخاصة تركيا ولبنان والأردن والعراق، هي الدول الأولى المستضيفة للاجئين. والواقع أن دول مجلس التعاون هي الأكثر سخاءً وتعاطفاً ودعماً لأعمال الإغاثة والجهود الإنسانية الرامية إلى تخفيف معاناة اللاجئين السوريين، وليس أوروبا والغرب الذي يُمن على السوريين باستضافتهم، وتعاملهم بعض الدول الأوروبية، وخاصة هنغاريا، بطريقة غير لائقة، وتضربهم وتضعهم في أقفاص وترمي لهم الطعام في الهواء كما شاهدنا في وسائل الإعلام خلال الأسبوع الماضي. وكانت الكويت بمبادرة من صاحب السمو أمير دولة الكويت، وبطلب من أمين عام الأمم المتحدة، قد استضافت ثلاثة مؤتمرات دولية للمانحين، في يناير 2013 ويناير 2014 ومارس 2015، وتم التعهد في هذه المؤتمرات الثلاثة بجمع نحو 8 مليارات دولار، حيث تعهدت الدول في المؤتمر الأول بتقديم 1,5 مليار دولار، وفي المؤتمر الثاني 2,4 مليار، وفي المؤتمر الثالث 3,8 مليار دولار. وتصدرت دول مجلس التعاون الخليجي قائمة الدول المتبرعة. وتأتي الكويت في المرتبة الأولى بـ1,3 مليار دولار، وتحتل الدول الخليجية أيضاً المراتب الأولى، وتأتي السعودية بحوالي 700 مليون دولار، فدولة الإمارات العربية المتحدة بأكثر من نصف مليار دولار، ثم دولة قطر بحوالي 240 مليون دولار، ما يضع الدول الخليجية في صدارة الدول في تقديم المساعدات للاجئين السوريين في مخيمات اللجوء بدول الجوار السوري، وأيضاً في استضافة وتسهيل إقامة وإعانة مئات آلاف السوريين المقيمين في دول مجلس التعاون نفسها. أما بالنسبة لاستضافة اللاجئين السوريين فتأتي تركيا في المرتبة الأولى باستضافة 1,5 مليون، أي ما يمثل نسبة 38% من لاجئي سوريا، ويليها لبنان بمليون وربع مليون لاجئ، أي بنسبة 20%، والسعودية ودول الخليج العربية بنسبة 16%، ثم الأردن الذي يستضيف 650 ألف لاجئ، بنسبة 14%، والعراق 250 ألف لاجئ، فمصر 125 ألف لاجئ. بينما مجمل اللاجئين السوريين في أوروبا، التي تمنُّ على السوريين، وترفع صوتها منتقدة الآخرين، لا يتجاوز عددهم نسبة 2%. وقد أعلن الرئيس أوباما أيضاً في الأسبوع الماضي أن بلاده ستستضيف 10 آلاف لاجئ سوري فقط في عام 2016. وهذه الحقائق تبدو مغيبة عن العقل الجماعي الغربي، وربما عن بعض العرب أيضاً. والحقيقة أن دول مجلس التعاون تستضيف نحو مليون سوري، بنسبة 16% من اللاجئين السوريين، وتجدد إقامات من انتهت إقامته منهم، وتُعيل دول الخليج أيضاً ملايين اللاجئين السوريين في مخيمات النزوح، وخاصة في لبنان والأردن. وهذه الحقائق يجب أن تُعلن دون مِنة ليعرفها القاصي والداني، للرد على الحملة المعادية لدول الخليج ودورها في الأزمة الإنسانية السورية. وذلك لإخراس من يهاجم وينتقد دولنا زاعماً تقصيرها أو عدم استضافتها أو تقديمها المساعدات للاجئين السوريين الذين تحولت قضيتهم من قضية إنسانية إلى قضية للتكسب السياسي والنفاق الدولي. وقد تحولت الأزمة السورية بسبب التردد في عدم حلها جذرياً من بُعدها السوري والإقليمي لتصبح شأناً عالمياً يثير مشاكل وخلافات داخل أوروبا، ويدفع للدعوة إلى إعادة النظر في اتفاقية «شينغن»! وتشكل هذه الأزمة الإنسانية الآن أكبر تحدٍّ في تاريخ الاتحاد الأوروبي، حسب «شتاينماير» وزير خارجية ألمانيا. ولذلك كنت أتوقع أن يلجأ الغرب، المعروف ببراغماتيته في التعامل مع الأزمات واتباع الحلول الأسرع والأقصر والأقل تكلفة، إلى تطبيق تلك المعادلة الواقعية في التعامل مع الأزمة السورية في سنتها الخامسة، بالعمل على إنهاء معاناة ?اللاجئين ?السوريين. وألا ?يلجأ، بدلاً من ذلك، ?للحلول ?الترقيعية، ?والتخبط، ?والكيل ?بمكيالين، ?في ?تعامله ?مع ?المأساة ?السورية. ?والحل ?الأسهل ?والأقصر ?والأقل ?تكلفة ?ينبغي أن يكون في سوريا نفسها. فبدلاً ?من ?استمرار ?الغرب، ?وفي مقدمته أوروبا، ?في استقبال ?مئات ?آلاف ?اللاجئين ?السوريين ?خلال ?السنوات ?القادمة، ?وتفريغ ?سوريا ?من ?شعبها.. لاشك أن الحل الحقيقي يكمن ?في ?اقتلاع ?المتسبب ?الرئيسي ?في هذه ?الأزمة، وهو النظام ?السوري. ولكن ?لا ?يبدو ?ذلك ?خياراً لدى الغرب!? ومن ?حقنا ?أن ?نسأل: ?لماذا لا؟! والسؤال مرة أخرى: لماذا يبدو الغرب داعماً لمسعى النظام السوري في تغيير ديموغرافية سوريا والتركيبة السكانية فيها، وخاصة في مناطق الشريط الساحلي لتشكيل الدولة «العلوية» كخطة «ب»؟ ولماذا لا يتم تسليح المعارضة بأسلحة نوعية؟ وما الذي يمنع الغرب من استهداف قوات ومواقع النظام أيضاً، إذ يقتصر قصفه على مواقع «داعش» والمنظمات المتطرفة الأخرى؟ ولماذا لا تصر أوروبا وأميركا على إقامة مناطق آمنة في شمال سوريا قرب الحدود مع تركيا، وعلى الحدود الجنوبية أيضاً مع الأردن، لإقامة اللاجئين السوريين النازحين في أجزاء من وطنهم نفسه، حتى يتم التوصل إلى حل للأزمة السورية؟! ولماذا يُمنع اللاجئون والمهجرون والنازحون من العودة إلى الأحياء التي يسيطر عليها النظام، وخاصة في حمص؟! إن الحقيقة التي لا تقبل التشكيك هي أن دول مجلس التعاون الخليجي تبقى أكبر داعم للشعب السوري سياسياً وعسكرياً وإنسانياً. وقد سعدت ببدء حملة إعلامية خليجية تسلط الضوء على دور ومساهمات دول الخليج في التعامل مع الأزمة السورية. وهي حملة ما زالت بحاجة إلى التكثيف. كما أن على منظمة الأمم المتحدة والوكالات التابعة لها أن تكشف بالأرقام والإحصائيات الدعم المالي الذي تقدمه دول الخليج، وعدد المقيمين السوريين في دول مجلس التعاون. وعلى الغرب أن يتوقف عن تغييب الحقائق وتوجيه اللوم للطرف الأكثر سخاء ودعماً وتفهماً لاستحقاقات أزمة الشعب السوري الشقيق. وأن يلعب هو دوراً في وقف النزيف بعلاج أصل وجذور الداء، إن كان جاداً فعلاً في السعي لحل الأزمة السورية ووقف مأساة اللاجئين. وكفى مزايدات وتغييباً للحقيقة!