لبنان زمان باريس العرب لا يراد له أن يهنأ يوماً بعد عناء الحروب الطائفية المدمرة للكينونة الإنسانية فضلاً عن تدمير البلد بما ولد. سألت رجلاً مصادفة مرة عن دراسته فقال: تخرجت مهندساً من بيروت في الستينيات من القرن الماضي وما أدراك ما بيروت أو لبنان ذلك الزمان الحلو، فكل ما فيه لا يوصف إلا بأطنان الامتياز فالناس فيها على قلبك عسل والطقس لا يوصف وما أن أنهينا دراستنا حتى انقلب الحال وتغير الموال حيث لف الزمان وحمى الوطيس الطائفي ودارت رحى حرب أكلت من لبنان أروع ما فيه وتركته معوجاً لا تستطيع حكومة من بعد ذلك علاج اعوجاجه حتى الآن، هذا حديث جانبي من فترة الثمانينيات عن لبنان بعدما شاخ هذا المهندس وصار له أولاد وأحفاد، ومن يومها لم يلد لبنان من يصلح شأنه فها هو الحبل على الجرار حتى وصلنا اليوم إلى قصة جديدة لم نعهدها في أي دولة متخلفة بمعنى الكلمة في العالم من حولنا، ألا وهي قصة «النفايات» التي أزكمت الأنوف حتى أخرجت الناس من بيوتها للتظاهر والاحتجاج على سوء الأوضاع وترديها سياسياً وبيئياً، حتى قال الشعب اللبناني مطالباً بأبسط ما يمكن أن يطالب به الفرد حكومته النظافة سياسياً واقتصادياً وبيئياً. فالجماهير تطالب بتغيير نظام لا وجود له في لبنان، فالحكومة مع برلمانها تعاني من عطل طال أمده، فالثلث لم يعطل العمل السياسي والتنفيذي، بل عطل حركة الحياة في لبنان الجوهرة السابقة للشرق الأوسط برمته. لبنان الذي تغلب على أعنف حرب طائفية وقعت على مر التاريخ والتي استمرت قرابة خمسة عشر عاماً عجاف ضربت الاستقرار والأمن في مقتل وحولت الفسيفساء اللبناني إلى أنهار من الدماء وذابت فيها كل معاني التسامح والعيش المشترك. الشعب اللبناني من الأصل والنظافة وحسن الهندام جزء من شخصيته الأزلية سواء عاش في بلده أو اضطر للهجرة إلى أصقاع الأرض، ومن المعروف جداً أن أكثر من ثلثي الشعب اللبناني يعيش خارج أرضه منذ عشرات السنين. فأي دولة أو حكومة تقبل على نفسها أن تكون حديث الساعة الآن عن عدم نظافة هذا البلد الأنيق عبر التاريخ الغابر. ماذا دهى السياسة في لبنان حتى تحشر أنفها في وقف عمليات التنظيف أن يطال أرضها ولا تذكر هذه الأيام إلا بنفاياتها البيئية والسياسية في آن واحد وكانت السياسة ولادة ما تزكم الأنوف «الطاهرة» حتى روج إعلامياً لشعار انتشر كالنار في الهشيم «ريحتكم طلعت». حقيقة لبنان أكبر من ذلك بكثير ولا تستحق هذه الإهانة البيئية لشعبٍ النظافة في كل شيء ديدنه وسيرته أمام كل من تصادف عندما يشار إلى شخص بأنه من لبنان فترى كمال النظافة في ظاهره وباطنه، فلبنان زمان يجب أن يعود إلى الحياة والحضارة والعمار الآن وليس غداً، وإلا فإن عاقبة ذلك وخيمة ففي لبنان الحريري رحمه الله هو الحل لكافة المشكلات فالرجاء كل الرجاء إخراج السياسة عن التدخل في منع النظافة أن تعم أرجاء هذا البلد أيقونة الحضارة الحقة في زمن تهدر فيه الحقائق تباعاً.