تبدو حملة «دونالد ترامب» للرئاسة، في نواح كثيرة، منافية للعقل إلى درجة يعتبرها البعض معها كنوع من المزحة. ولكن هذا قد يكون خطأ أيضاً. صحيح أن كل شيء تقريباً ممكن في السياسة، ولكن أن يصبح «ترامب» رئيساً فهذا احتمال يتجاوز ما هو ممكن. وعلى الرغم من هذا يستحق «ترامب» الاهتمام ليس لأنه من المرجح أن يفوز بترشيح الحزب الجمهوري أو بالرئاسة، بل يجب النظر إليه جدياً لسببين: أولاً، لأنه قد يؤثر بقوة في نتيجة السباق الانتخابي في العام المقبل حتى لو رشح الجمهوريون شخصاً آخر كما هو مرجح. ثانياً، ثم إن التأييد الذي يحظى به، والاهتمام الذي أثاره، مهمان في حد ذاتهما. وبعد أول مناظرة للجمهوريين اختلفت في الرأي مع جارٍ لي وهو عامل فحم متقاعد كان ديمقراطياً وأصبح جمهورياً وهو من أنصار «ترامب». فقد رأى جاري هذا أن «ترامب» أبلى بلاء حسناً. ولكنني رأيت أن «ترامب» جعل من نفسه أحمق، وسيدفع ثمن ذلك في استطلاعات الرأي التالية للمناظرة. وضحك صديقي وقال «سنرى»! ويعتبر صديقي وكثيرون آخرون من أنصار «ترامب» أن مرشحهم هو رونالد ريجان العهد الحالي. وريجان مثل «ترامب» كان أيضاً موضع ازدراء ممن اعتبروا أنفسهم أذكى من الناخب المتوسط. واعتقدت وسائل الإعلام الليبرالية أن ريجان مزحة، والاحتقار ساعده كثيراً كما يساعد «ترامب» حالياً. ولكن «ترامب» ليس ريجان. فقد كان هذا الأخير حاكماً ناجحاً ويحظى بشعبية قبل ترشيحه لمنصب الرئيس. وكان أيضاً جذاباً ومرحاً ورقيقاً ودمثاً، أما «ترامب» فهو عكس ريجان في كل ذلك، فهو فظ ونافد الصبر ومتغطرس، وهذه السمات ستقلّص على الأرجح جاذبيته. وكي ينجح يتعين عليه أن يوسع جاذبيته كثيراً ويحتاج إلى دعم أكبر بكثير مما يحظى به حتى الآن. واستطلاعات الرأي تظهر أنه يحظى بدعم 22 من الناخبين الجمهوريين. وهو يهيمن على السباق لأن حلبة السباق ما زالت مزدحمة بالمرشحين. والسؤال هو: ما مقدار الدعم الذي سيحظى به إذا انسحب مرشحون آخرون؟ الحقيقة أن احتمالات صعوده تبدو محدودة. فكثير من الجمهوريين يكرهونه بالفعل. ومع تنقية حلبة الصراع، فمن المرجح أن يستفيد من هذا «جيب بوش» أو «ماركو روبيو». ولكن فشله في الحصول على ترشيح الحزب الجمهوري لن يخرجه من الحلبة لأنه لا يستبعد الترشيح كمستقل. وفرصته في الفوز بالرئاسة بهذه الطريقة ضعيفة ولكن فرصه جيدة في تفتيت أصوات الناخبين المحافظين وفي مساعدة مرشح ديمقراطي على الفوز! ومهما يكون من دور «ترامب» في الانتخابات فإن بروزه ذو دلالة. فمن المؤكد أنه يمثل حالة إحباط من الحياة السياسية، وإن كان لا يأتي أيضاً بجديد في هذا الصدد. و«ترامب» ليس هو أول شخص يحس الإحباط من السياسة ويستغله. ولكن لديه بالفعل فكرة شيقة عن سبب هذا الإحباط! فهو ليس محافظاً حقيقياً، بل لديه قناعات شديدة التنوع بعضها خاطئ والآخر منفر، ويدافع عن كل واحد منها بإخلاص دون أي درجة من الانسجام. و«ترامب» لا ينظر إلى الجمود في واشنطن باعتباره نتيجة الاستقطاب السياسي، أو التردد المتزايد في التوصل إلى حلول وسط براجماتية، أو حتى بسبب كثرة هراء بعض الساسة. إنه يرفض المساومات مثل أي متشدد حزبي ولكن ليس على أساس مبادئ. فاليقين لديه يجده عندما يشعر بأنه على حق وكفى. وفي الواقع، يرى «ترامب» أن الخلل في العاصمة سببه فشل في الشخصية. ويعتقد أن السياسيين المحترفين يشبهون بعضهم بعضاً سواء كانوا ديمقراطيين أو جمهوريين لأنهم يعرفون كيف يتكلمون ويكثرون من التنظير ولكنهم لا يعرفون كيف يفعلون شيئاً. وإحدى المسلّمات في واشنطن أن قلة ما تنجزه الحكومة أو مدى انخفاض شعبية البيت الأبيض أو الكونجرس ليسا مهمين. ووجهة النظر فيما يبدو أنه إذا لم يذهب أي أحد بالفعل للتصويت، فستكون هناك مشكلة ولكن ما دام هناك عدد قليل من الناس يشاركون في الانتخابات ليختاروا من يفضلون فإن المرشحين يمكن انتخابهم ويظل النظام قادراً على الصمود، إذا لم يكن كمنهج للحكم فهو على الأقل مكافأة لمشوار الحياة والطموح للسياسيين. وقد يقرر الناخبون عند أي مرحلة أن السيل قد بلغ الزبى ويفعلون شيئاً متهوراً. كليف كروك: محلل سياسي أميركي ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»