عندما انفصلت أوكرانيا عن الاتحاد السوفييتي عام 1991، لم تزعج نفسها بتحطيم تماثيل المطرقة والمنجل (شعار الشيوعية) التي نُصبت لتوحي بأنها «جنّة العمال». أما الآن، فقد شرعت بإطلاق جهود مكثفة لإعلان انفصالها عن الماضي الشيوعي. وأصبح عمالها يتسابقون لإزالة كافة الرموز الدالّة على العهد السوفييتي، وبدأت تماثيل لينين تتهاوى، وتمت إزالة النجوم الحمراء من على جدران محطات المترو في العاصمة كييف، وفازت الشوارع التي كانت تحمل أسماء «الأبطال السوفييت» بأسماء جديدة. وتعيش أوكرانيا في كل أرجائها ومناطقها عملية تنظيف واسعة النطاق من مظاهر الشيوعية استعداداً للاحتفال بعيد استقلالها في 24 أغسطس المقبل. ولم يكن هذا الجهد ليمر بهدوء لأن العهد السوفييتي خلف وراءه رموزه وذيوله في كل شارع وزاوية وميدان. وأصبح تحطيم هذا المظاهر يثير الكثير من الجدل في أوساط الشعب الأوكراني. لكن آراء الجميع تتفق على ضرورة إبراز الهوية الأوكرانية. وآخر تلك الرموز كانت لوحة جدارية باسم «أوليكساندر أنيشينكو»، وهو مقاتل سوفييتي في الحرب العالمية الثانية، كانت شجاعته وإنجازاته العسكرية كافية لإطلاق اسمه على أحد الشوارع الضيقة في وسط كييف. وقام فريق من العمال بانتزاع اللوحة ليستعيد الشارع اسمه القديم وهو اسم راهب شهير ينتمي للكنيسة المجاورة للشارع. وأعرب بعض أفراد فرق العمال المكلفة بتحطيم تلك الرموز عن استيائهم من هذا التصرف. وقال أحدهم (عمره 58 عاماً): «كان أجدادنا يقاتلون، أما نحن فمنشغلون بتدمير هذه الرموز التي تعبر عن ذكريات تاريخية. إنها تمثل الماضي». لكن مؤيدي العمل يقولون إنه ما لم يتم تنظيف الأماكن العامة من هذه الرموز، فلن تستطيع أوكرانيا تجاوز الماضي السوفييتي. وفي هذا الصدد قال المؤرخ «فولوديمير فياتروفيش»، الذي يشغل منصب مدير المعهد الأوكراني للتاريخ الوطني: «تحمل هذه الآثار والرموز في طياتها المشاعر المتعاطفة مع العهد البائد. وأصبح من المستحيل أن نتقدم إلى الأمام طالما بقيت في مكانها». وأشار «فياتروفيش» إلى حالة من انفصام الشخصية السياسية قبل انطلاق عملية الإزالة، حيث قال: «لا أدري كيف كنا نعيش من قبل. ففي المدرسة كانوا يقدمون للتلاميذ دروساً عن لينين الشيطان. لكن التلاميذ يأتون إلى مدرستهم عبر شارع لينين، ويمرون من تحت تماثيله». وأوعزت حزمة جديدة من القوانين الصادرة عن البرلمان الأوكراني بإتلاف الأرشيف الخاص بالمخابرات السوفييتية، وحملت أوكرانيا على تغيير بعض المصطلحات حتى تساير تلك التي يستعملها الغرب. ومن ذلك مثلاً إعادة العمل باسم «الحرب العالمية الثانية» بدلاً من «الحرب الوطنية العظمى»، وهي التسمية التي أطلقها الاتحاد السوفييتي على تلك الحرب والتي يستعملها الروس حتى اليوم. وصححت تلك القوانين بعض التواريخ المحرّفة، ومنها أن الحرب العالمية الثانية بدأت عام 1939 عندما عمدت ألمانيا النازية إلى غزو بولندا، وليس عام 1941 عندما دخل الاتحاد السوفييتي الحرب ضد ألمانيا. ويرى بعض منتقدي هذا النشاط المحموم في إزالة المظاهر الشيوعية أنه عمل لا معنى له، لأنه يأتي في وقت لا يسمح لنا بالتركيز على التاريخ ورموزه في الوقت الذي يعاني فيه الأوكرانيون من تبعات اقتصادهم الضعيف وحربهم المشتعلة في الشرق والتي أودت حتى الآن بحياة أكثر من 6 آلاف أوكراني وفقاً لإحصائيات صادرة عن الأمم المتحدة. مايكل بيرنبوم: محلل سياسي أميركي مقيم في موسكو ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»