تفاءل البعض وربما الكثيرون بالتوقيع بالأحرف الأولى على «اتفاق الصخيرات» الذي وافقت عليه غالبية الفصائل الليبية عدا ممثلي «المؤتمر الوطني» المنتهية ولايته الذين تغيبوا عن جلسة التوقيع على الاتفاق، والذي تم التوصل إليه بناءً على جهود المبعوث الأممي لليبيا، غير أنه سرعان ما تبدد هذا التفاؤل، أولًا لأن «المؤتمر الوطني» لم يغير موقفه، وثانياً لأن البعض شكك استناداً إلى حجج بدت معقولة في مدى تمثيل الموقعين على الاتفاق للقوى السياسية الليبية الفاعلة، وقيل إن بعض هؤلاء الموقعين، وإن انتمى إلى فصائل بعينها، إلا أنه لم يكن مفوضاً رسمياً بتمثيلها، وتم التلميح إلى أن الاتفاق قد لا يعدو كونه محاولة من المبعوث الأممي لليبيا لإثبات نجاحه بأي طريقة بغض النظر عن فرص تنفيذه على أرض الواقع. ولعل الملاحظة الأهم بخصوص الاتفاق هي المتعلقة بمضمونه. صحيح أنه تضمن التوافق على إنشاء حكومة وحدة وطنية، لكن محاولته إيجاد معادلة للتوازن بين الطرفين الرئيسيين المتنازعين في ليبيا، وهما «المؤتمر الوطني» المنتهية ولايته وحكومته ومجلس النواب الشرعي المعترف به دولياً وحكومته في طبرق، بدت محاولة ملغومة، فقد اعترف الاتفاق بمجلس النواب كسلطة تشريعية، لكنه أوجد في الوقت نفسه كياناً آخر أطلق عليه مجلس الدولة أُعطي سلطة استشارية ملزمة(!) بالنسبة لمشروعات القوانين التي تقدمها الحكومة لمجلس النواب. ولما كان من المفهوم أن مجلس الدولة هذا سوف يتكون أساساً من أعضاء في «المؤتمر الوطني» فإن محاولة التوازن التي انطوى عليها اتفاق الصخيرات تبدو قنبلة موقوتة أو هي في أحسن الفروض آلية للعجز تذكرنا بالمعادلات اللبنانية. ويضاف إلى ذلك ما ذكرته بعض التقارير من أن الجيش الوطني الليبي متحفظ على الاتفاق لأنه جعل من رئيس حكومة الوحدة الوطنية قائداً للجيش، فماذا لو جاء شخص ذو انتماءات قبلية أو جهوية متطرفة؟ وإن كان هذا التحفظ لا يشير بالضرورة إلى عيب في الاتفاق وإنما ينبه إلى أهمية التدقيق في المعايير التي يختار رئيس الحكومة استناداً إليها. سرعان ما تبدد الأمل إذن في أن يكون اتفاق الصخيرات آلية لحل المعضلة الليبية، غير أن الأخطر من ذلك هو تمدد الإرهاب في ليبيا مع دخول تنظيم «داعش» مدينة سرت والمذابح التي ارتكبها وهو يواجه خصومه في المدينة، مما أوقع ما لا يقل عن مائتي ضحية حسب بعض التقديرات، وهو ما أثار مجدداً مسألة حظر التسليح المفروض دولياً على الجيش الليبي والانتهازية الدولية المتمثلة في ازدواجية المعايير في التعامل مع التهديدات الإرهابية لأسباب تتعلق بمصالح القوى الدولية المعنية، والتي تحارب «داعش» في العراق وسوريا، لكنها تغض الطرف عنها في ليبيا. وجدد رئيس الحكومة الليبية مطالبة المجتمع الدولي برفع حظر السلاح عن الجيش الليبي، ومن المعروف أن حظر السلاح قد بدأ في أعقاب انتفاضة الشعب الليبي ضد القذافي وقبل سقوط نظامه كنوع من الدعم الدولي لهذه الانتفاضة، وذلك بموجب قرار مجلس الأمن 1970 لعام 2011. ورغم أن الظروف تغيرت جذرياً بعد ذلك وأن قرارات مجلس الأمن اللاحقة فتحت الباب لإمكان إنهاء الحظر لتمكين الجيش الليبي من مكافحة الإرهاب في البلاد، فإن الحظر لم يُرْفَع، بينما استمر تدفق السلاح والأموال لميليشيات «الإخوان» و«داعش» و«القاعدة»، بدعم من دولٍ بعينها وفقاً للمندوب الليبي في الأمم المتحدة، مما يلقي مسؤولية خاصة على الدول العربية التي تتصدر الحرب على الإرهاب. ومن اللافت أن أحد كبار المسؤولين في الحكومة الشرعية الليبية قد عول تحديداً على مصر ودولة الإمارات، لصدق موقفيهما في محاربة الإرهاب، كما أن المندوب الليبي الدائم لدى الجامعة العربية قد دعا إلى اجتماع لمجلس الجامعة على مستوى المندوبين الدائمين، وإن كان الأمل محدوداً في أن يتوصل إلى قرارات فعالة بسبب اختلاف سياسات الدول العربية تجاه المسألة الليبية. غير أن الحل العربي للمعضلة الليبية يبقى الأساس في ظل الانتهازية الدولية الصارخة.