لا تزال قضايا الشرق الأوسط هي المسيطر في الإعلام العالمي: من BBC إلى TV5 الفرنسية العالمية إلى CNN، وكذلك معظم القنوات الأميركية المعروفة، مثل NBC وNBS، ومعظم الأخبار عن هذه المنطقة هي حول مشاكل وأزمات الحرب الأهلية في سوريا، الحوثيين في اليمن وما أوجدوه من كوارث إنسانية، وهجمات على مساجد في السعودية، واستمرار تفتت السلطة في ليبيا، والهجمات الإرهابية في العراق ومصر، و«داعش» وتوابعها.. حتى احتفالية قناة السويس لم تستطع مسح هذه الصورة عن المنطقة كمنطقة مأزومة. ووسط سيطرة هذه الأخبار السلبية، جاء النبأ الخاص عن حرق الطفل الفلسطيني علي دوابشة، وإصابة أمه بحروق بالغة، وكذلك شقيقه ووالده الذي توفي فيما بعد، وذلك على أيدي بعض المستوطنين اليهود الذين هاجموا منزل عائلة «دوابشة» فجر يوم 31 يوليو المنصرم. ليست هذه المرة الأولى التي يتم فيها استهداف وقتل أطفال أو صبية فلسطينيين، ففي الحرب على قطاع غزة العام الماضي، قتلت إسرائيل 2200 شخص، بينهم ما لا يقل عن 500 طفل. وفي العام الماضي أيضاً قام شباب إسرائيليون بخطف الشاب الفلسطيني محمد أبو خضير من سكان القدس الشرقية وبحرقه حتى الموت. من المسؤول عن هذا الهولوكوست الذي يتعرض له الأطفال الفلسطينيون، بالإضافة إلى كل الانتهاكات وأعمال التعذيب التي يقاسونها ولا نسمع عنها الكثير لأنها أصبحت روتينية؟ إنها ثلاث جهات على الأقل، حسب الترتيب التالي: المسؤول الثاني في رأيي هو الحكومة الإسرائيلية التي تكتفي بالإدانة، ونادراً ما تقبض على المسؤولين عن هذه الجرائم، مكتفية بدموع التماسيح لمغالطة الرأي العام العالمي، حتى لا يقوم بفضح الممارسات الإسرائيلية أكثر فأكثر. ولا يمكن تصور عدم التواطؤ بين هذه الحكومة والمستوطنين، فعندما تقول أيليت شاكيد (وزيرة العدل)، بعد موافقة الكنيسيت الإسرائيلي بالحكم بالسجن حتى 20 عاماً على قاذفي الأحجار: «إنه تم إحقاق الحق ضد الإرهابيين»، ثم تقول أيضاً في تصريح آخر، إنه يجب قتل الأمهات الفلسطينيات اللاتي ينجبن «الثعابين الصغيرة»، أي شباب المقاومة! لا يمكن الوثوق بمثل هذه الحكومة، والتي تأتي أفعالها وتصريحات أعضائها لتشجيع المحرقة بحق الفلسطينيين. المسؤول الثالث هو الرأي العام العالمي، وعلى رأسه الدول الكبرى، مثل الولايات المتحدة وروسيا ودول الاتحاد الأوروبي، فبينما يعاد التذكير من وقت إلى آخر بالمحرقة النازية لليهود منذ أكثر من 70 عاماً، يتم تجاهل كل الممارسات الإسرائيلية، حتى أصبحت إسرائيل أكبر دولة مارقة في العالم، طبقاً لعدد القرارات الدولية التي انتهكتها، بدءاً من اعتبار القدس المحتلة عاصمة لها. مَن هو المسؤول الأول إذن عن قتل الفلسطيني، والذي صار بمستوى المحرقة؟ للأسف لا يمكن إعفاء النخبة الحاكمة الفلسطينية، سواء في غزة أو الضفة، والتي تأتي من وقت إلى آخر بأخبار عن المصالحة -على الأقل ثلاثة قرارات معلنة حتى اليوم- وتكوين حكومة وحدة وطنية، بينما وضع الشعب الفلسطيني على الأرض يسير من سيئ إلى أسوأ. ليس من الضروري أن تكون متخصصاً في العلوم السياسية لتدرك أن المهمة الأولى لأية حكومة، أو حتى سلطة مؤقتة، هي حماية سكانها بدلاً من استهلاك الوقت والطاقة في الاتهامات المتبادلة بالتقاعس وعدم الفاعلية في الدفاع عن «قضية الشعب الفلسطيني»، ففي كل حركات التحرر الوطني كان الأساس هو تكوين الائتلاف الوطني والجبهة الموحدة، أما غير ذلك فيأتي في مرحلة ثانية. إنها قضية عادلة، لم تجد غير محامٍ فاشل!