يبدو أن الجمهوريين ليسوا على قناعة بأن عليهم أن يفكروا ويعملوا أذهانهم حين يتعلق الأمر بالعراق· وفي ظنهم أن مهمتهم تنحصر في التصفيق للرئيس بوش والتحامل على الصحف لما يرونه تقاعسا منها في تغطية المزيد من الأخبار الإيجابية التي ترد عن العراق· عن نفسي، فقد كتبت الكثير عما هو إيجابي في العراق، غير أن بعض اتجاهات السلوك التي أراها اليوم تبعث على القلق، مع ملاحظة أنه لا يوجد إلا القليل جدا من الديمقراطيين الذين بوسعهم ممارسة الضغط على الإدارة فيما أراه مثيرا للقلق بالنسبة لي· والحقيقة هي أن الجهة الوحيدة التي تستطيع التأثير على الإدارة هي الجمهوريون أنفسهم· لذا فإن عليهم أن يفتحوا عيونهم جيدا، لأنه لا شيء في أداء إدارة بوش في العراق حتى الآن، يمكن المرور عليه دون توجيه انتقادات وتبيين المثالب فيه· وما لم يأخذ الجمهوريون ما يجري في العراق مأخذ الجد، فليس غريبا أن يستيقظوا ذات صباح ليجدوا جميع مرشحيهم يواجهون السؤال ذاته: كيف خسر حزبكم العراق؟
لو قدر لي أن أكون سيناتورا جمهوريا، لكنت قد وجهت الأسئلة التالية بكل الصدق لإدارة بوش: أصحيح أنكم ترغمون العراقيين على الرضوخ لفكرة وجود قوات تركية لحفظ السلام في بلادهم؟ فخطوة كهذه لن تعمل على استبعاد حلفائنا الثابتين الأكراد فحسب، وإنما ستثير حنق المسلمين الشيعة والسنة على حد سواء، وتحرضهم علينا· ولما كانت لمسألة الشرف أهمية كبيرة جدا داخل المجتمع العراقي، فأية كارثة ستكون إذا ما جئنا بالجنود الأتراك -وهم المستعمرون السابقون للعراق- لكي يصدروا لهم الأوامر والتعليمات مجددا؟ وكما لاحظ اسحق ناكاش الأستاذ في جامعة براندي ، ومؤلف أحد أفضل الكتب الحديثة عن العراق شيعة العراق ، فإن مشاركة الأتراك في عملية حفظ السلام ستبعث في نفوس العراقيين ذكريات ماضيهم الاستعماري السيئ تحت حكم الإمبراطورية العثمانية· والأسوأ من ذلك أنها سوف تحفز كلا من إيران وسوريا والمملكة العربية السعودية للتدخل وممارسة نفوذها ودورها في بغداد· ولن تكون هذه وصفة لعراق ديمقراطي ومستقر مطلقا·
وها قد جاء الوقت لكي تعترف إدارة بوش بأنها ارتكبت خطأ فادحا بتسريحها للجيش العراقي الذي لم يحاربنا أبدا، وعليها أن تعلن الآن شكرها لكافة الدول التي بادرت بتقديم العون والدعم العسكري لنا بجيوشها ومقاتليها، إضافة إلى الإصرار على أنه يجب ويحق للعراقيين أن يتولوا هم حراسة وحماية وطنهم· بذلك نكون قد وجهنا نداء عاما لكافة أفراد الجيش العراقي، وليس-الحرس الجمهوري- لكي يعودوا إلى الخدمة العسكرية مجددا· وبهذه الخطوة سيكون في وسع العراقيين أن يتولوا تحرير أنفسهم بأنفسهم، ونكون قد رفعنا عمليا شعار العراق للعراقيين ·
في ظل الوضع الراهن فإن الهجمات على قواتنا الموجودة في العراق تزداد، بدلا من أن تتراجع· فإلى جانب العدد الكبير الذي خسرناه من الجنود، لا بد من أن نضع في الاعتبار أن هناك حوالى 900 جندي آخرين، ما بين جريح ومصاب بإعاقة مستديمة· ولا بد لنا أن نأخذ خطرا فعليا وماثلا كهذا على محمل الجد· فنحن لسنا في مواجهة قوات مبعثرة مهلهلة لا هدف ولا قيادة لها، إنما نواجه عدوا منظما وحسن التدريب والتخطيط والتكتيك الحربي، له نظم قيادته وتحكمه، ويعرف كيف يتصيد جنودنا وأولئك القادة العراقيين والأجانب الذين يتعاونون معنا· فأمامنا أحد خيارين، إما أن نأتي بما يكفي من القوات لإنهاء مهام الحرب وفرض نفوذنا وسيطرتنا التامة على العراق، أو نترك للجيش العراقي مهمة بسط الأمن والنظام في العراق·
ومع صحة قرارنا بحل حزب البعث الحاكم سابقا، إلا أن تطبيق القرار بحد ذاته لم يكن صحيحا· فالواجب هو أن نؤمن لأولئك الذين التحقوا بالمستويات الدنيا من عضوية الحزب حق العودة إلى وظائفهم وعملهم الإداري السابق· ولهذه الفئة نضرب مثلا بضرورة عودة مديري المدارس إلى مزاولة عملهم· فالنتيجة الطبيعية لاستبعاد الآلاف من هؤلاء الإداريين والتكنوقراط، هي إضعاف المؤسسة الإدارية العلمانية، ونشوء فراغ إداري نكون قد هيأناه نحن لكي تملأه الجماعات الدينية بدلا عنهم· هذا ولا يزال العراق في حاجة ماسة إلى حزب سياسي يعبر عن تطلعات أقليته السنية المسلمة التي لا تجد حزبا يعبر عنها·
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ينشر بترتيب خاص مع خدمة نيويورك تايمز