قد يكون من الملائم التفكير في أهمية قانون للحيلولة دون وجود بعض صور الإهمال والفساد الإداري. فالفساد الإداري على سبيل المثال لا يعني فقط الرشوة أو التربح وإساءة استخدام الموظف لوظيفته، وإنما يعني أيضاً الإهمال والاستهتار بأوقات العمل ومسؤولياته، ولعل أهم أسباب تراجع الخدمات الإدارية في كثير من الدول النامية هو الفساد القائم على إهمال أهم مقومات نجاح المؤسسات وهو احترام الوقت والتفاني في أداء العمل. فالمسؤول مثلاً الذي قد يعتبر الصيف إجازة مفتوحة، والموظف الذي لا يجيب أبداً على رنين هواتف المراجعين، والمهندس الذي يصمّم بأسلوب خارج عن نطاق الجماليات ولا يراعي الجمال البصري الذي يفترض أن يحيط بالناس، يتعين أن يتم تنبيه كل واحد منهم على تقصيره في أداء عمله. فالإدارة الحقة هي أن نفهم معنى الالتزام في الأعمال والمهام والإبداع في الحلول والمبادرات. والاستناد للذائقة البصرية والإهمال في إنجاز الأعمال هو فساد من نوع مختلف، ويعمل على ترسيخ لغة التباطؤ والتراجع وعدم أخذ زمام المبادرة في البحث عن الأفضل والوصول إلى رضا ذاتي يعكس نجاحاً لكل المحيط. وروح القانون ينبغي أن يكون لها تأثير موجّه ومصحح لتقصير أصحاب اللغة المؤجلة الذين لا يؤدون للمراجع والمتعامل الخدمة على أكمل وجه، لأنهم باختصار لم يقوموا بكامل واجبهم المهني، ولم يعطوا لواجباتهم الوظيفية حقها وما تستحق من وقت واهتمام. فالمسؤول الذي قد يتكاسل أو يهمل في أداء عمله يكون في حاجة إلى تذكير بأن المكان الذي يشغله هو تكليف أياً كانت مسؤولياته، وأن ما يُعطى من ثقة في ممارسة مهام منصبه هو اختبار لكفاءة قدراته ومهاراته في تحقيق الأهداف المنوطة به. فالعناية والمثابرة والاجتهاد في أداء المهام والمسؤوليات هي جزء من أمانة أعطيت للمسؤول والموظف حتى يثمر في مكانه، ويزدهر بحيث تتحول الوظيفة إلى حالة جميلة من العطاء والالتزام، وبالتالي فإن عليه إعطاء كل التفاصيل أشد العناية وأداء عمله باهتمام تام ونجاح بما يتيح له الاستمرار والتقدم إلى الأمام. وبالتأكيد فروح القانون والالتزام والانضباط المهني هي المطلوبة بحيث يدرك الجميع أن الأمانة في العمل هي الهدف الأهم، والأخطر في كل المسؤوليات المعطاة لهم والمسندة إليهم. إن وجود مثل هذا النوع من ثقافة الالتزام وعدم الإهمال الوظيفي من شأنه أن يعيد الأمور إلى نصابها في حالات وجود قصور يستمد من كم الإهمال الذي قد يمارسه الموظف لأنه يظن أنه آمن أو لا رقيب عليه في أداء عمله، وسيكون في هذا حل لكثير من الإشكالات التي قد تنتج عنها حالة من التسويف تعطل الصالح العام، وليس للتسويف محل بوجود فعل مؤثر مفاده أن القانون يطبق على الجميع بلا استثناء.