هل الدين في الحياة السياسية العربية المعاصرة، عامل دعم للهوية الوطنية وتثبيت لها، أم أن الثقافة الدينية الرائجة، ولأسباب مصلحية وحزبية.. في صراع مع الهوية الوطنية؟ وإذا كنَّا نعيش مرحلة الشد والجذب بين هذه الهوية الوطنية وبين المفاهيم التي تروج لها جماعات الإسلام السياسي، كتصوراتها عن «دولة الخلافة» وأركان «النظام الإسلامي»، فكيف نتعامل مع هذا التجاذب والصراع، وكيف نفهم تاريخه وأبعاده السياسية والثقافية؟ إنّ صور انتماء الشعوب وولاءاتها متعددة، تشمل الدين والطائفة والقبيلة وغيرها، ولا يمثل تعدد الانتماء بحد ذاته ظاهرة سلبية ما لم يصطدم بالدولة الوطنية في محاولة لفرض ولاءات أخرى بالقوة على الشعوب. ترتبط الدولة الوطنية ارتباطاً وثيقاً بـ«وجود ولاء أسمى وحيد بين مواطنيها، أي هوية وحيدة سامية ترتب للمواطنين الذين يحملون جنسية الدولة حقوقاً، وتفرض عليهم واجبات كمواطنين متساوين، رغم تنوعهم من حيث الدين والطائفة والعرق والقبيلة والعشيرة»، («السياسة الدولية»، د. محمد صفي الدين خربوش، التحدي الإسلامي للهوية الوطنية، أكتوبر 2014). وإذا كانت اللغة والمصالح المشتركة والدين من عناصر بناء الدولة الوطنية فوق الأرض التي يعيش عليها شعب ما، فإن الدولة العربية، الوطنية أو القُطرية، أثيرت حول شرعيتها الشكوك والاتهامات منذ أول ظهورها في القرن العشرين.. ولا تزال. لقد تعرضت هذه الدولة لهجوم ضار من عدة جبهات، يقول الدكتور خربوش، كان أبرزها أصحاب الاتجاهات الفكرية القومية العربية والإسلامية، ف«نظر البعض إلى الدولة الوطنية بحسبانها كياناً مصطنعاً من قبل الاستعمار لوأد تكوين دولة قومية عربية لكل العرب من المحيط للخليج، من وجهة نظر ذوي الاتجاه القومي العربي، وللقضاء على الخلافة الإسلامية التي تضم العرب وغير العرب من المسلمين، من وجهة نظر ذوي الاتجاه الإسلامي». لكن هذه «الإدانة القومية» للدول العربية من قبل بعض القوميين لم تمنع تكاثر هذه الدول وتزايدها، بل ورسوخ أركانها غالباً. كانت هذه الدول، يضيف الدكتور خربوش، ترسخ أقدامها بقوّة، وتمضي في طريقها نحو تعزيز هوية وطنية لدى مواطنيها. «ولم يقتصر الأمر على بعض الدول العربية ذات المساحة والسكان والتاريخ والاقتصاد، المعززة لوجود دولة وطنية قابلة للاستمرار، بل امتد ليشمل دولاً صغيرة المساحة، قليلة السكان، لم يكن القوميون العرب والإسلاميون يتوقعون لها البقاء، حيث تعامل بعضهم معها عشية الاستقلال، بنظرة اتسمت بالاستخفاف، وتوقع البعض انهيارها أو اختفاءها أو اندماجها في دول أخرى، خلال فترة قصيرة من الزمن». اختلفت مشكلة الدولة العربية الوطنية عن كثير من الدول حديثة الاستقلال في أفريقيا وآسيا، والتي تمثلت أزمة الهوية لديها في وجود هويات فرعية دون هوية الدولة الوطنية. فقد «عانت الدولة الوطنية العربية الحديثة بالأساس نوعاً من الهوية يتجاوز حدود الدولة الوطنية، ويمثل تهديداً جدياً للهوية الوطنية، والمقصود هنا الهوية العربية والهوية الإسلامية. وبينما كانت الأولى هي الأكثر انتشاراً وتأثيراً في خمسينيات وستينيات القرن العشرين، مثلت الأخيرة التهديد الأقوى للهوية الوطنية منذ أواخر سبعينيات القرن، وحتى الآن». خاض التيار القومي على امتداد النصف الأول من القرن العشرين حركة سياسية وفكرية واسعة توجت بالوحدة بين مصر وسوريا في فبراير 1958، وكانت في الواقع «تجسيداً عملياً للقضاء على الدولة الوطنية ذات الهوية الوطنية المصرية والسورية، لمصلحة الهوية العربية». اخترنا إذن «النمط الاندماجي» لتذويب الدولتين في دولة الوحدة! رفضت قطاعات واسعة من المواطنين السوريين الذين أيدوا الوحدة مع مصر في البداية، ما اعتبروها سيطرة مصرية على الوطني السوري، «ولهذا السبب تحديداً، حظي الانفصال بتأييد بعض الأحزاب والقوى العروبية». جرى التركيز بعد الانفصال على مؤامرات القوى الإقليمية والدولية المناوئة للوحدة العربية، لكن مثل هذه «المؤامرات» إن وجدت، لم تكن العامل الحاسم، ويؤكد ذلك أن وصول الأحزاب والقوى الوحدوية إلى السلطة في كل من بغداد ودمشق، في فبراير ومارس 1963، لم يغير من الأمر شيئاً، حيث فشلت مباحثات الوحدة في القاهرة بين مصر وسوريا والعراق عام 1963. وعلى الصعيد الإعلامي، «استعر الخلاف بين عبد الناصر ومؤيديه من العروبيين من ناحية، وبين «البعث» العراقي والسوري من الناحية الأخرى، ونشر كل طرف وجهة نظره لمباحثات الوحدة الثلاثية، متهماً الطرف الآخر بإفشال مشروع الوحدة». ولم ينته الأمر بإبعاد الزعماء التاريخيين لحزب «البعث» ومحاكمتهم والحكم على بعضهم بالإعدام فحسب، بل فضلاً عن ذلك، «أقدم كل من حزب البعث السوري والعراقي على تشكيل قيادة قومية تتبع القيادة القطرية في كل من دمشق وبغداد. وبدلا من وجود قيادة قومية عربية تتبعها القيادات القطرية في كل دولة عربية، أصبحت القيادة القطرية صاحبة الكلمة العليا، وتحولت القيادة القومية إلى مرتبة أدنى». كيف انتهت التجربة؟ سنرى هذا لاحقاً؟